يعيش الوطن العربي بكليّته مع مطلع القرن الحادي والعشرين ، ظروفا لربما تكون ذاتها تلك التي قاساها مع مطلع القرن السابق ، إذ قد يشهد الوطن العربي في المستقبل المنظور كامبل بنرمان 2 أو سايكس بيكو جديد أو بلفورا آخر ، لإسرائيل وأعوانها ممن يطالبون بكيانات مقتطعة من أجزاء الوطن العربي .
فلقد شكل سقوط العاصمة بغداد ، إيذانا بسقوط متوال للعواصم العربية ، بل إن سلبية الأداء العربي والمستمرة منذ الاستقلال ، هي التي أعادت الوطن العربي للوقوع في براثن الاحتلال ثانية ، فالنظام العربي اليوم وفوق كل ما يعانيه من ترهلات وفوضوية وتبعية ، وإضافة لتهميش دور المواطن العربي ونهب للمال العام وتدمير لكافة القدرات والإمكانيات العربية ، فإن هذا النظام ما زال رافضا للقراءات الواقعية لما يجري حوله، بل إن قسما كبيرا منه ما زال يؤمن بأن سلامته تكمن في اللحاق بالركب الأميركي ، بل والمصيبة الأكبر إيمان هذا القسم بأنه بعيد عن السؤال المطروح اليوم " من التالي بعد اغتيال عرفات وصدام " ، فاغتيال صدام بحد ذاته إنما مثّل اغتيالا لما تبقى من المشروع القومي العربي والمحتضر أصلا .
وتبدو المخططات الأميركية واضحة دون حاجة لإخفائها عن العرب ، كما حصل مع مطلع القرن العشرين ، فمشروع " الشرق الأوسط الكبير أو الجديد " بات قاب قوسين أو أدنى من تحققه العملي وعلى أيد عربية ، هذا المشروع الذي يعني فيما يعنيه تسيّد إسرائيل على الشرق المزعوم ، وغسل العقل العربي من إرثه التاريخي – الحضاري ، ونهب ثروات لو وظفت لصالح أصحابها لجعلتهم دولا ما فوق العالم الأول ، مشروع ينهي مشروعية وجود أمّة كاملة ، ويقضي على ما تبقى لها من بصيص أمل في الاتكاء على ذاتها وتاريخها لإدراك أبعاد واقعها وسيرورته التاريخية نحو إعادة إنهاضها ، بما تملك من ثروات بشرية واقتصادية وتاريخية وحضارية .
وفيما تسعى الكيانات السياسية العالمية للعمل معا تحت إطار وحدوي أو اتحادي ، ما تزال الكيانات العربية المهشمة ترفض منطق الوطن الكبير، منحصرة في خرائطها الاستعمارية ، مدافعة عن سيادة وهميّة سرعان ما تنهار أمام الضغوط والإملاءات الأميركية .
ومن الجانب الآخر للعمل السياسي العربي ، تتهافت المعارضة العربية على الإدارة الأميركية ، علها تعود لتحل محل الأنظمة القائمة ، وتأخذ دورها في الأجندة الأميركية ، فلكل زمان رجاله ، وهي تبحث عن زمانها ، لا لأجل الوطن المريض ، بل لمصالحها الضيقة ، واستثماراتها المحاصرة ، دون أن تعتبر من سابقتها العراقية .
وبين الموالاة والمعارضة ، والداخل والخارج ، يعيش المواطن العربي اليوم أسوأ مراحله التاريخية ، بين استهداف من الخارج ، ومحاصرة من الداخل ، واستغلال من كليهما ، وفي تجاذبات لتدمير هويته القومية .
أي أن النظام العربي موضوع أمام مستقبلين يحددهما بذاته ، لا بالرسائل القادمة من واشنطن ، فإما أن يكون أحد التوالي على القائمة الأميركية ومهما كانت درجة تبعيته السابقة ، وإما أن يدرك الآن متأخرا قيمة المشروع القومي ، وقبل أن يضاف إلى الفوات التاريخي العربي فواتهم الوجودي ، في ظل أسلحة لا تبيد إلا ذوي الجينات العربية .
فالولاء للولايات المتحدة ، وقمع المواطن ، وانتهاك الديموقراطيات وحقوق الإنسان العربي ، وتوسيع المعتقلات ، وإلى ما هنالك من أساليب " عربية " ، لم تعد أبدا الضمان لاستمرار النظام قائما ، كما كانت في عقود ما بعد الاستقلال .
فالوطن العربي الكبير اليوم يشهد تصارع حركتين ، ستكون الغلبة للأسرع فيهما ، الأولى حركة الاستعمار الأميركي – الصهيوني – البريطاني وأعوانهم في المنطقة لأجزاء هذا الوطن ، والتي تسعى للقضاء على قادة الحركة الأخرى ، والتي تظهر في تزايد الوعي الثوري الشعبي العربي في ظل ازدياد البؤس الواقع على المواطن العربي ، ووفقا لماركس فإن هذين الشرطين – الوعي الثوري وازدياد البؤس – هما مقومات أية ثورة ناجحة ، فالنخب العربية القومية بدأت تقود مشروعها نحو إعادة إنهاض الأمة ونفض عبء استعماري يحاول تكريس ذاته ، وإن كتب لهذه النخب النجاح ورغم ظروف القمع الذي تعانيه ؛ سيكون النظام العربي قد أزيح كليا عن مواقعه القديمة .
وإن كان النظام ما زال مصمما على المحافظة على مواقعه ، فإنه للمرة التاريخية الأولى وقد تكون الأخيرة ، مدعو لإقامة تحالفات في اتجاهين لا ثالث لهما :
الأول : تحالف عربي – عربي ، يربط أجزاء الوطن ببعضه البعض .
الثاني : تحالف حكومي – شعبي ، يعيد تشكيل مفهوم الأمن القومي العربي في ظل الاتجاه السابق ، ويفسح المجال أمام المواطن العربي لممارسة دوره في الدفاع عن الوطن ، بآليات حرة ديموقراطية .
وفي حين ثبات جميع العوامل العربية الداخلية ، مع تحرك عوامل الخارج بازدياد نحو الوطن العربي ، فإن ما يشهده العرب اليوم من غزة و معتقلات " أبو غريب " إلى فوضى لبنان واحتكار قوت مصر ، ما هو إلا أبسط صور المستقبل القريب ، والذي قد يعيدهم إلى غياهب التاريخ الاستعماري العثماني .
عبد القادر نعناع
منشور في التجديد العربي