في بناء هوية سورية تشاركية: نحو مستقبل مشترك
كلمة ألقيت في ندوة "نحو مستقبل مشترك"، التي عقدتها الحركة الوطنية السورية في مدينة حلب - سورية، بتاريخ 20 أيار/مايو 2026
الدكتور عبد القادر نعناع
حياكم الله جميعاً في هذا الجميع الطيب، وهي فرصة لم تكن لولا هذا التغيير السياسي الكبير الذي حصل في بلادنا، وخلاصنا من نظام استبدادي شرس مكث على صدورنا عقوداً من الزمن، جرّف فيها كل أشكال الحياة السياسية، ودمر جزءاً مهماً من تاريخنا، مادياً ومعنوياً.
نجتمع اليوم، باعتبارنا جزءاً من النخب السورية وخصوصاً في محافظة حلب، في محاولة جادة لتنشيط الحياة السياسية كما أملها آباؤنا المؤسسون للجمهورية، متصدرين المسؤولية التاريخية التي تواجهنا، باعتبارنا وكلاء المستقبل السوري، ومدركين أهمية تعاضدنا جميعاً في إنتاج هذا المستقبل، والتصدي لأية نكسات قد تحيق بمستقبلنا، سواءً أكانت نكسات باتجاه الاستبداد، أو الاقتتال، أو الانهيار.
إن ما لحق بنا من تدمير للحياة السياسية والحياة المادية وما يرتبط بهما، يضعنا أمام مسؤولية إعادة البناء الفكري إلى جانب المادي. وحتى نكون مدركين لحجم المخاطر التي سنواجهها، علينا أن ندرك أن أي مسار للتنمية السياسية سيواجه أزمات عديدة. وقد خلصت كل التجارب التي سبقتنا إلى أن حل أزمة الهوية هو المدخل الأكثر أهمية في حل باقي الأزمات.
يعتبر المجتمع السوري مجتمعاً معقد البنية الهوياتية دينياً مذهبياً وأقوامياً، بل ويمكن أن يمتد إلى الهويات الثقافية أيضاً. هذا التنوع الذي كان يُفتَرض به أن يكون مصدر غنى حقيقي للثقافة السياسية السورية. عوضاً عن ذلك تحول إلى إشكالية مركبة ومتراكمة طيلة عقود تاريخنا المعاصر، وهي إشكالية نراها "معنّدة" ومتوارّثة، بمعنى أنّها منذ أن نشأت ما تزال متفاعلة حتى تاريخ اللحظة هذه.
فهي إشكالية تتعلّق بالدولة السورية، وبالتعدّد الإثني، وبصناعة المواطنة، وبالبحث عن عقد اجتماعي يعيد للمجتمع ارتباطاته ببعضه البعض. وهي إشكالية تضاعفت مع هيمنة التسلطية (أي نتيجة أدوار السلطة الاستبدادية)، وما تزال مرتبطة بإشكاليات أيديولوجية سابقة ولاحقة، لتبقى بحاجة إلى برنامج حلٍّ تشاركي حكومي ونخبوي واجتماعي، لتشكيل عقد اجتماعي يراعي تطلعات التنوّع الثقافي السوري.
طبياً، الإقرار بالمشكلة وتوصيفها ومعرفة التاريخ المرضي، هي بداية مهمة في مسار العلاج، وهي مسؤوليتنا المشتركة في توصيف هذه المشكلة أولاً. من هنا، أطرح دائماً، فكرة الأسئلة الثلاثة تمهيداً لحلها:
من نحن؟ ولماذا علينا أن نعيش في ذات الكيان الجغرافي؟ وكيف لنا أن نفعل ذلك؟ وهي أسئلة تأسيسية تحيلنا إلى الإقرار بالوجود المشترك المتساوي لكل مكونات المجتمع السوري أفراداً وجماعات. ثم البحث في رابط هذا الوجود، وهو الرابط السوري الحديث، الذي يخرجنا من أزمة وجودنا التاريخي والإثني، ويحيلنا إلى مواطنين ذوي ثقافة عليا مشتركة، ومصالح لا تتم إلا بالتشارك فيما بيننا. هذان السؤالان يؤسسان لانتقالنا جميعاً نحو البحث في بناء عقد اجتماعي يضمن لنا السؤالين السابقين، ويؤسس لنا مستقبلنا المنشود.
والمقصود بذلك، أن علينا الإقرار بجملة من الاشتراطات الأولية التي نحمل مسؤوليتها، والتي تنتج مواطناً سورياً مسؤولاً من جهة، وعقلانياً من جهة ثانية. عبر التوزيع المتساوي:
- للحقوق والحريات الأساسية، وأبرزها: حريات التعبير والاعتقاد والمشاركة السياسية.
- وللفرص المتكافئة في المناصب والوظائف والتعليم.
- والمساواة في فرص تحقيق الدخل والثروة.
- والمساواة في السلطات والصلاحيات، من خلال إحداث قدر متساوٍ من التأثير والمشاركة في الحياة السياسية، وهو ما سنُعبِّر عنه بالديموقراطية.
- ومن ثم توفير الأسس المتساوية لاحترام الذات، بأن يشعر كل سوري منا أن له ذات القيمة والكرامة المعترف بها.
وهذا يتطلب اشتراطاً آخر، يتمثل في قيام مؤسسات الدولة على مسافة واحدة من كل الأفراد والجماعات، حتى نضمن أن تكون المساواة حقيقية فيما بيننا. وهي المساواة في القيمة والكرامة والحرية والتأثير السياسي.
وهذا يحيلنا إلى اشتراط إضافي، يتمثل في حضور البعد الاجتماعي في كل هذه الاشتراطات، أي العدالة بكل أشكالها.
تتأسس هذه الاشتراطات في عقد اجتماعي ننتجه جميعاً، يُعبَّر عنه في دستور ونظام اقتصادي ونظام سياسي، ونظام حزبي وانتخابي يضمن استمرار هذه الاشتراطات.
تقود هذه الاشتراطات، إلى الانتقال من الاحتماء بالجماعة إلى الثقة بالدولة والمواطنة السورية كهوية جامعة مقبولة ومتفق عليها وضامنة لحقوق الأفراد والجماعات، وفي ذات الوقت يضمن للجماعة خصوصيتها باعتبارها مكوناً لهذه الهوية الأعلى. حيث أن البحث في هوية دون الهوية الوطنية، كان جزءاً من آليات الحماية التي لجأ إليها الكثير في ظل الاستبداد والثورة والحرب، فإن استمرارها اليوم لا يمكن أن يكون مقبولاً بهذا الشكل.
ولكل ثقافة، رغم ما تشمله من غنى وتنوع، إطاراً عاماً يضمها جميعاً، ونحن هنا نقصد الإطار الإسلامي باعتباره إطاراً ثقافياً حضارياً تاريخياً لا إطاراً دينياً إقصائياً للتعديد الديني في بلادنا. والإطار العربي باعتبارها وعاءً لغوياً سياسياً حضارياً، لا لغة إقصائية للتعدد اللغوي في بلادنا.
إن الوصول إلى هذا الهدف الأسمى، لن يكون في متناولنا تلقائياً، بل سيكون نتيجة إيماننا جميعاً به، واشتغالنا الحثيث على إنتاجه، بما يتفق مع خصوصيتنا السورية من جهة، ومع إدراكنا لضرورة انخراطنا الحضاري العالمي. وهنا نعتقد أن ذلك ممكن في ظل ثلاث أدوات رئيسة:
الأولى هي الديموقراطية، ولا نقصد بها الديموقراطية التنافسية المعهودة في الدول الديموقراطية المستقرة، بل مع مراعاة الخصوصية السورية التي قد تحيلنا إلى أشكال أكثر مناسبة لنا، ومنها التداولية مثلاً، لكننا نحتاج إلى تقديم تدريجي لها عبر انتقال ديموقراطي، حيث أنها السبيل للمساواة السياسية بيننا كمواطنين سوريين من جهة، وتجعلنا مسؤولين ومراقِبين لمستقبلنا المشترك من جهة ثانية.
وثانيها العدالة، والتي تحيلنا إلى أمرين بالغي الأهمية، فمن خلال العدالة الانتقالية الحقيقية نكون قادرين على تجاوز آلام الماضي والخروج من المظلوميات العديدة والقدرة على التسامح والمشاركة في إنتاج المستقبل. ومن خلال العدالة الاجتماعية نضمن ارتقاء كل المواطنين وقدرتهم على المشاركة المسؤولة.
وثالثها، اللامركزية، وقد يختلف الفهم أو التصور لها، لكننا نقصد مراعاة الثقافات الفرعية والمجتمعات المحلية، وإعطاءها الفرصة الحقيقية لإدارة شؤونها بما يضمن استقرار البلاد وفعالية المواطنين ومسؤوليتهم وقدرتهم على صيانة مستقبلنا.
في ختام هذه المداخلة، أكرر فكرتي الرئيسة، بأن ما طرحته هي خطوط عامة وإرشادية، كلي أمل أن نتحاور حولها باعتبارنا نخب هذا المجتمع، وأن نجد من خلالها سبيلنا نحو مستقبل مشترك، والاتفاق على قواعد العمل السياسي، وبناء الثقة المشتركة فيما بيننا.











