في عقلية الأنظمة التسلطية وأدواتها
تتشارك الأنظمة التسلطية بذات العقلية: الاستئثار بالسلطة والاستحواذ على المنافع، وهي لا تختلف فيما بينها حول هذه العقلية.
لكنها تختلف في أدواتها ووسائل تحقيقها. إذ تفضل بعض الأنظمة التسلطية توسيع دائرة توزيع المنافع (توسيع الزبونية)، وخصوصاً تلك التي تمتلك فائضاً من الموارد، تستطيع من خلاله استرضاء بعض النخب أو فئات من الشعب، لكنه يزيد من تطلعات هذه الفئات وضغطها على السلطة.
لذا تفضل أخرى اللجوء إلى القمع أو العنف حتى، وتعتبره أقل كلفة من توسيع عملية التوزيع، وخاصة في الدول ذات الموارد المحدودة، لكن ذلك يؤدي إلى تآكل الشرعية المحدودة أساساً، ويدفع نحو مزيد من الاضطرابات المجتمعية.
ويحتاج كل نظام تسلطي إلى مبررات "أخلاقية" لتبرير تسلّطه، بغض النظر عن سلامة هذه المبررات، فقد تكون قومية، أو أيديولوجية، أو دينية، لكن لا يشترط أن يكون معنياً فعلياً بتحقيق هذه الغايات كما تفعل الأنظمة الشمولية، إنما هي مبررات لا أكثر. فيما تلجأ أخرى إلى صناعة عدو (حقيقي أو متخيل، داخلي أو خارجي)، بغرض التحشيد من جهة وتبرير القمع والعنف من جهة ثانية.
إن الميل إلى التسلط هو طبيعة كثير من الأنظمة، خصوصاً إن لم تجد قوى سياسية مناهضة لها وقادرة على حشد الشارع خلفها، وأيضاً إن كانت الثقافة المحلية منتِجة هي بذاتها للاستبداد. كما أن المجتمعات التي لديها إرث استبدادي طويل هي أكثر ميلاً لتقبل إنتاج استبداد جديد، بغض النظر عن طبيعتها الثقافية أيضاً، عدا عن ميل المجتمعات الفقيرة والمضطربة إلى السلطة الأقوى منها إلى السلطة الأكثر ديموقراطية.
أي إن الاستبداد يأتي لملء فراغات في المجتمع، ويتغذى على هذه الفراغات: فراغ وجود قوى سياسية منظمة، وفراغ ثقافي ديموقراطي، وفراغ مشاركة سياسية فعالة، وفراغ في الأمن.









