نظام الملالي لم يعد صالحاً لإدارة الدولة الإيرانية (مقابلة)
د. عبد القاد رنعناع • ٢٢ يناير ٢٠٢٣
أكد د. عبد القادر نعناع، الباحث المتخصص في الشؤون الدولية، رئيس المكتب الاستشاري لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن إيران "دولة مارقة" لأنها تعمل منذ قيام ثورة 1979 ضد ترتيبات دولية احتاجت أربعة قرون حتى تترسخ في المجال الجيوسياسي العالمي، مشيراً إلى أن المشروع الإيراني يقوم على دعاوى تاريخية ومذهبية وقومية، الهدف منها بناء "إمبراطورية فارسية" جديدة.
حاوره: شريف عبد الحميد، رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية
تصنفون إيران في أعمالكم، وأحدثها في المكتب الاستشاري لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، باعتبارها القوة الأكثر خطورة على استقرار وأمن منطقة الشرق الأوسط، ما الذي يجعل إيران تحتل هذه المرتبة؟
يقوم هذا التصنيف على مجموعة معايير، من ضمنها، حجم التدخل العسكري المباشر وغير المباشر، وحجم التهديد الذي تمثله الدولة لجوارها، وحجم السيطرة أو التدخل في عمليات صنع القرار لدى دول الإقليم، وحجم ودور الفاعلين من غير الدولة الذين ترعاهم هذه القوة، ويضاف إلى ذلك بالطبع، الملف النووي، عدا عن تداعي الأوضاع الداخلية فيها. جميع هذه العوامل تعزز فكرة أن إيران دولة مارقة.
هذا التوصيف، ليس مجرد توصيف أمريكي لقوى مناهضة للولايات المتحدة، بل يمكن تفصيله بناء على رفض إيران شكل الدولة-الأمة والترتيبات الدولية المؤسستية الراسخة في النظام الدولي، ومحاولة إعادة منطقة الشرق الأوسط إلى العصر الإمبراطوري السابق للدولة-الأمة.
وماذا يعني ذلك؟
هذا يعني أن إيران تشتغل ليس بالضد من مصالح الولايات المتحدة فحسب، بل بالضد من النظام والترتيبات الدولية التي احتاجت أربعة قرون حتى تترسخ، وهو ما يجعلنا نؤكد على وصفها قوة مارقة.
الإشكال هنا، أن إيران بالفعل هي الأكثر خطورة بين متنافسين متعددين في فراغ استراتيجي يجذبهم، فالمشروع الإيراني يقوم على دعاوى تاريخية وأيديولوجية ومذهبية وقومية، جمعيها تدفع إلى استحضار لحظة تاريخية قصيرة "كانت مجيدة لدى الفرس" قبل عشرات القرون، ومحاولة بناء إمبراطورية فارسية جديدة. هذا ما دفع النظام لإيراني إلى عملية تهديم للمناطق التي امتد إليها النفوذ الإيراني، وهو تهديم يشمل تطهيراً بشرياً قدر الإمكان، وتفريغ المنطقة من أصحابها، لتكون جاهزة لتبيئة المشروع الإيراني. بمعنى آخر، هو نهج مشابه للنهج الإسرائيلي، لكنه على امتداد أكثر اتساعاً منه بكثير.
ما يزيد من خطورة إيران في المنطقة عن سواها، أنه لا يمكن بشكل من الأشكال، فصل إيران عن الإقليم، فهي جزء أصيل منه، تاريخياً وبشرياً ودينياً وحضارياً وعرقياً. هذا يضاعف من خطورتها الإقليمية، حيث يمنحها –بالنسبة لها على الأقل– "شرعية" لعمليات التدخل واسعة النطاق ومتعددة الأدوات.
ذكرتم، مصطلح الفراغ الاستراتيجي الجاذب للقوى المتنافسة، وكنتم قد كتبتم حول ذلك في أكثر من موضع، ماذا تقصدون بهذا الفراغ؟
بداية، نعني به، غياب سلطة ضابطة لمنطقة جغرافية ما (دولة أو إقليم)، هذه السطلة الضابطة إما أن تكون محلية (الحكومة الضابطة للدولة)، أو أن تكون قوى إقليمية أو دولية، واحدة أو أكثر، ضابطة لدولة أو لإقليم. في منطقتنا، ومنذ عام 1991 أي منذ تحرير الكويت والحرب الأهلية في الصومال، بدأنا نشهد بروز هذا الفراغ بشكل تدريجي، وإن لم تكن بدايته ملحوظة، لكنه سيشتد بعد عام 2003 بعد احتلال العراق.
اليوم لدينا مجموعة من الدول العربية (سورية، العراق، ليبيا، الصومال، اليمن، لبنان، والسودان نوعاً ما)، جميعها تشهد فراغاً محلياً، حيث لا تسيطر الحكومات على كامل تلك الدول (تنافس محلي بين قوى سياسية وعسكرية)، إلى جانب غياب قوى خارجية ضابطة.
ما هو دور هذه القوى الخارجية الضابطة بالتحديد؟
وحتى نفهم دور القوى الخارجية الضابطة، يمكن استخدام أفغانستان مثالاً على ذلك، ففي حين لم تكن هناك حكومة واحدة قادرة على إدارة الدولة منذ تحريرها من الاتحاد السوفييتي، إلا أنها منذ 2001 كانت تحت ضبط أمريكي (أي فراغ مملوء بالقوة الأمريكية وحدها، ما يعني انعدام الفراغ)، في حين أنه في منطقتنا لا يمكن رصد مثل هذا الضبط، بل هي عملية تنافس بين قوى إقليمية (إيران، تركيا، إسرائيل، السعودية، الإمارات، قطر)، وأخرى دولية (الولايات المتحدة وحلفاؤها، روسيا، فيما تحاول الصين الحصول على موطئ قدم)، هذا التنافس يقوم في البيئات المنهارة/الفاشلة في العالم العربي، والتي للأسف تتسع شيئاً فشيئاً منذ عام 2011.
في هذا الفراغ غير المضبوط، نرى أن إيران هي الأكثر امتداداً من سواها، والأكثر عنفاً أيضاً، ما جعلها حاضرة عسكرياً (بشكل مباشر أو غير مباشر)، في العراق وسورية ولبنان واليمن وقطاع غزة، وحاضرة سياسياً وأيديولوجياً في أبعد من ذلك.
كيف تسنى لإيران الحصول على هذا المكانة الخطيرة في الشرق الأوسط، وما هي أبرز محددات سلوكها الإقليمي المهدِّد لاستقرار الإقليم؟
إيران كانت إلى جنب العراق، تحت ضبط أمريكي ضمن سياسة الاحتواء المزدوج منذ 1994، لكن احتلال العراق، فتح المجال واسعاً أمام إيران للعمل ضمن البيئات العربية. هنا يمكن أن نرصد بداية تبلور ما يمكن تسميته "الجرأة الاستراتيجية"، أي أن إيران لم تنتظر قيام ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، بل سارعت إلى استغلال الفوضى والفراغ الذي حصل لتملئه بمصالحها "المبادأة الاستراتيجية"، ولتحوز على حصة من هذا الفراغ، ثم لتفاوض القوى الأخرى، ومن ضمنها الولايات المتحدة، على الترتيبات الأمنية الإقليمية.
يمكن تسمية هذا النهج بنهج "تحمل المخاطر Risk-taking"، أي أن إيران كانت تدرك مبكراً أن هناك مكاسب كبيرة في التدخلات الإقليمية، لكنها مكاسب محفوفة بتهديدات خطيرة، ورغم ذلك، فضلت أن تمضي قدماً، على خلاف القوى الإقليمية الأخرى، التي كانت تحت تأثير الصدمة من جهة، وبانتظار الحصول على تسويات إقليمية جديدة من جهة ثانية.
لكن، لم يكن لإيران أن تمضي في هذه النهج، لولا امتلاكها سلة أدوات مضبوطة، بداية من بناء الأحلاف أو الوكلاء في المنطقة، وأبرزها:
- الميليشيات "الشيعية" العابرة للحدود، التي وجدت في إيران راعياً سياسياً وعسكرياً وأيديولوجياً لها (ارتباط عضوي أصيل).
- الجماعات الإسلامية "السنية" الأيديولوجية (مثل القاعدة والإخوان وسواهم)، أصحاب نظرية "الإسلام القومي"، والتي وجدت في إيران شريكاً لها (ارتباط أممي).
- جماعات براغماتية (أنظمة سياسية ونخب محلية عربية)، وجدت في إيران ضامناً لمصالحها الضيقة (ارتباط براغماتي).
- وربما جماعات انفصالية، وجدت في المشروع الإيراني سبيلاً للاستحواذ على بيئاتها الجغرافية، وإن لم تتشارك مع إيران في مشروعها (ارتباط تفكيكي).
وبناء عليه، نلحظ أن لدى إيران، خطة عمل، وقاعدة تاريخية وأيديولوجية تحرك مشروعها، وأدوات عسكرية وسياسية مضبوطة، ومساعدات مالية وعسكرية غير منقطعة لوكلائها، وتحمل الأضرار الناتجة عن التنافس الإقليمي (التي جعلت إيران واحدة من أكثر دول العالم عزلة عن البيئة الخارجية وباقتصاد منهار). هذه النهج المتكاملة، غير متوافرة لدى منافسيها في الإقليم، حتى لدى الأمريكيين.
هل تعتقدون أن الأمريكيين، أو إدارة أوباما كما يشاع، كانت وراء دفع إيران إلى الوصول إلى هذه المكانة الإقليمية؟ وإن لم تكن، لِمَ لَمْ تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً ضد إيران؟
يتم تحميل إدارة أوباما كثيراً من اللوم حول صعود المشروع الإيراني، بعض هذا اللوم حقيقي، وبعضه مجرد محاولات تعمية. فالمشروع الإيراني كما ذكرنا، بدأ على الأرض مع حزب الله منذ الثمانينيات، وانطلق بعد احتلال العراق في عهد بوش الابن. ما طرحه أوباما، كان قائماً على فكرة أن إيران أصبحت جزءاً من الفاعلين الرئيسين في المنطقة (أو الفاعل الأكثر نشاطاً)، وأن على دول الإقليم تقبل ذلك، والعمل مع إيران والولايات المتحدة لصوغ سياسات إقليمية جديدة تراعي هذه المتغيرات وهو ما لم تقبله الدول العربية الفاعلة آنذاك (الخليجية). وبناء عليه، جاء المشروع الأمريكي في التوصل إلى الاتفاق النووي، ورغم كل مثالبه، إلا أنه على الأقل وضع المشروع النووي الإيراني تحت رقابة دولية، قبل أن يعود ترامب عن الاتفاق، ويتيح لإيران إعادة تفعيل نشاطها النووي.
فلماذا لم تتدخل إدارة ترامب عسكرياً ضد إيران؟
كثيراً ما يطرح في العالم العربي، فكرة أن الولايات المتحدة لم تواجه إيران عسكرياً (ضمن نظرية المؤامرة)، أو أنها تخلت عن حلفائها. ربما لم تقدم الولايات المتحدة لحلفائها العرب، المساعدة اللازمة لذلك، لكن ينبغي أن ندرك أنه لا مصلحة أمريكية في إشعال حرب في الشرق الأوسط مع إيران، لا يُعلَم حدودها، في وقت يشهد النظام الدولي مرحلة سيولة عالية، ومرحلة انتقالية ما تزال قيد التبلور. أي أن الولايات المتحدة (ومنذ مطلع العقد الماضي)، كانت مشغولة بالصعود الصيني، ثم أضيف إليه التحرك الروسي العسكري في الشرق الأوسط وشرق أوروبا. وهي مصالح أكثر أهمية وخطورة للولايات المتحدة من مسألة مواجهة إيران. فهنا الحديث عن النظام الدولي "الأمريكي"، وليس مجرد مصالح إقليمية بالغة التكلفة.
نعم، كان يفترض بإدارة ترامب، الدفع نحو عمل عسكري ولو محدود رداً على استهداف حقول أبقيق 2019، وخصوصاً أن ترامب كان على علاقة وطيدة بالحكومات الخليجية، وكان يمكن اتخاذ مثل هذا الإجراء تحت حملته "الضغط الأقصى"، لكنه لم يكن مستعداً لتحمل تداعيات ذلك.
الإشكال الأكثر خطورة، هو ما بعد الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، حيث تتراجع الولايات المتحدة عن حضورها الصلب في المنطقة، وعن مشاركتها في قضايا المنطقة، ما يخلق بالحتمية فراغاً ستسعى القوى الأخرى إلى ملئه، وفي مقدمتها إيران وتركيا وروسيا، على حساب الدول العربية.
ما رأيك بالنهج العربي في مواجهة إيران، هل تعتبر أن هذا النهج قدّم ما يفترض به أن يفعل، أم أنّ هناك أبعد من موضوع الخذلان الأمريكي باتجاه أخلال عديدة في النهج العربي؟
نعم، هو أبعد من موضوع الخذلان، في حال وافقنا –تجاوزاً– على فكرة الخذلان الأمريكي، الإشكال هنا، أن عملية صنع القرار لدى الطرفين مختلفة تماماً، أقصد لدى الفرس ولدى العرب. ففي إيران، هناك قيادة واحدة في مواجهة عدة حكومات عربية متباينة التوجهات والمصالح. هذه من جهة. عدا عن أن نهج إيران عدواني استباقي، وكما أسميناه "جرأة أو مبادأة استراتيجية"، أي أنه نهج فعل "act"، فيما كان النهج العربي موزعاً بين نهج رد الفعل "react" والنهج السلمي الدافع نحو استاتيك المنطقة، أي المحافظة على الأوضاع القائمة دون تغيير، وفي حال وقوع خلل فيها، فإن النهج العربي يسعى إلى استعادة الضبط السابق، وفي أحسن الأحوال يكون سعياً نحو خلق استاتيك جديد.
الإشكال إذاً يتعلق بمفهوم الأمن الإقليمي، ولن أقول الأمن العربي أو القومي، لأنه هذا المفهوم أصبح غير واقعي ولم يعد بالإمكان الخوض فيه. نحن اليوم بحاجة إلى توافق إقليمي جديد، حول مفهوم الأمن، ومحددات التهديد فيه، وآليات الاستقرار.
إشكال آخر في النهج العربي، أن مشروع إيران يجري على أرض عربية، فيما رد الفعل العربي منحصر في الأرض العربية (دفاع)، وعليه من الطبيعي أن نرى أن الخراب الأكبر يقع في البيئات العربية، ومن ثم يمتد إلى بيئات عربية جديد. وهنا يبرز ما تسميه إيران "الصبر الاستراتيجي Strategic Patience"، حيث أنها غير معنية بمجرد الحصول على مكاسب آنية، بقدر ما هو مشروع بعيد المدى، قد يمتد لعقود لاحقة.
عدا عن أن هناك دولاً عربية لا ترى في إيران أية خطورة على استقرار الإقليم، بل على العكس، تقدم لإيران تسهيلات جمة. فيما تُضيّق دول عربية أخرى مفهوم الأمن الوطني أو الإقليمي حتى لا يشمل الدول العربية الواقعة تحت النفوذ الإيراني، وبالتالي يكون بإمكانها التقليل من شأن هذا التهديد الإيراني.
أستاذنا الطيب تيزيني –رحمه الله– كان صاحب جدلية مهمة بهذا الخصوص، تقوم على فكرة أنه "ليس لخارج ما أن يتدخل في داخل ما إلا من خلال أقنيته"، أي أن إيران، وسواها، تستفيد من الخراب الواقع في البيئات العربية، لترسيخ مشروعها أكثر فأكثر.
إشكال آخر يمكن إضافته هنا، وهو أن وكلاء إيران المذكورين سابقاً، يعملون ضمن نهج أيديولوجي واضح ومضبوط وبعيد المدى، والعلاقة بينهم وبين إيران موثوقة، ويدرك هؤلاء الوكلاء أن إيران لن تتخلى عنهم. في المقابل، نفتقد في المشهد العربي لمثل هذه العلاقة بين القوى العربية الحالية وبين وكلائها، بل بعضها لم يمتلك وكلاء حتى.
هل لك بتوضيح فكرة الأدوات أو الوكلاء هذه، وهل تقصد أن على الدول العربية أن تواجه إيران داخل إيران، ومن هي الدول العربية المؤهلة لذلك بالأساس؟
أولاً أنا أتحدث عن القوى العربية الفاعلة، لدينا دائماً قوى عربية تتصدر المشهد العربي، حيث انتقلنا من تصدر الرباعي مصر والعراق وسورية والسعودية، إلى تصدر السعودية والإمارات بدرجة أولى، مع احتفاظ مصر بمكانة إقليمية لا يمكن تجاهلها. هناك قوى فاعلة أصغر، هي أقرب إلى إيران منها إلى الأمن الإقليمي (نقصد قطر بالطبع).
أما موضوع الأدوات، فلا يمكن مواجهة ميليشيا مثل ميليشيا الحوثي عبر طائرات F-16، ولا يمكن استخدام أدوات إيران نفسها لمحاربة إيران (الأنظمة والنخب العربية الموالية لإيران)، عدا عن إشكالية الموثوقية. السعودية خلقت حلفاء أو وكلاء في المنقطة ثم تخلت عنهم، ما خلق فراغاً إضافياً في الفراغ الأساسي، سارعت تركيا لملئه مباشرة. عدا عن أن هؤلاء الوكلاء لم تتم إدارتهم عبر نهج إقليمي متكامل يهدف إلى مواجهة إيران من جهة، واستعادة ضبط المنطقة مر أخرى، بل كان في كثير منه رد فعل على وجود إيران، كان أقرب إلى عملية استنزاف مالي، هذا النهج يخلق مرتزقة وليس وكلاء.
النقطة الثالثة، نعم لا يمكن الاكتفاء بمواجهة إيران في العراق وسورية واليمن وسواها، إن لم يتم نقل الصراع إلى داخل إيران، وعبر وكلاء محليين في إيران، فإن الخاسر الحقيقي سيبقى الطرف العربي، فيما تتسع رقعة الخراب التي تغذيها إيران.
إيران إلى الآن لم تتضرر سوى اقتصادياً، مع أضرار بشرية عسكرية محدودة للغاية، حيث أن تكلفة العمل العسكري الإيراني منخفضة للغاية (عناصر شيعية أو تم تشيعيها، أيديولوجيا، سلاح خفيف، دعم دائم). هذه التكلفة المخفضة كانت مكاسبها كبيرة (إدارة دول، تهجير ملايين السكان، قتل مئات آلاف العرب إن لم يكن ملايين العرب، تدمير بنى تحتية، تعطيل المستقبل المنظور والمتوسط للدول المستهدفة).
إذاً أنت ترى أن عملية التشييع (التبشير المذهبي)، هي أكبر من قضية دينية، أي أنها ذات بعد عسكري؟
بالتأكيد ذلك، نظام الملالي لم ولن يختلف عن أي نظام فارسي آخر في عدائه للعرب ومشروعه المستهدِف للعرب، ربما ما يميز نظام الملالي، هو استخدام الدين ومزجه بالقومية، لذا تقاطع مع الحركات الجهادية والإرهابية التي تنتمي إلى نفس المدرسة (الإسلام القومي). وهو يدرك أنه غير قادر على مواجهة دول المنطقة بشكل مباشر، وخصوصاً بعد تجربته مع العراق في حرب السنوات الثمان، وبعد أن رأى مصير العراق بعد اجتياح الكويت. لذا إيران عمدت بشكل أساسي إلى التدخل العسكري غير المباشر (عبر الوكلاء).
هؤلاء الوكلاء على أنواع كما ذكرنا، الشيعة منه، إما أنهم جزء أصيل من المشروع (حزب الله مثلاً)، أو مجرد مرتزقة شيعة (عناصر الميليشيات المتفرقة)، ومنهم متشيعون جدد لأسباب مادية أو عقائدية أو سواها، يتم ضخهم بعد أدلجتهم في الماكينة العسكرية الإيرانية وبالتكلفة المنخفضة التي ذكرناها.
لذا نرى نشاطاً إيرانياً تبشيرياً يمتد من أقصى شرق آسيا، إلى إفريقيا جنوب الصحراء، بحثاً عن مقاتلين، تحت شعار "نصرة آل البيت"، لتحويلهم إلى سلع عسكرية، مع رواتب مجزية لهم، ومناصب عسكرية، وخدمات جنسية، بل وتوطين في بعض البيئات المستهدفة (كما يجري في سورية)، إضافة إلى الوعود الإلهية بالجنة. هؤلاء لا يمكن هزيمته بالباتريوت وF-16 والصواريخ بعيدة المدى.
نصل إلى مسألة النووي الإيراني، هل تعتقد أن إيران ستمتلك سلاحاً نووياً، أم أنها مجرد مناورة، وماذا لو امتلكت هذا السلاح فعلاً، ما هو مستقبل المنطقة في ظل قوة نووية إيرانية؟
حملة الضغط الأقصى التي شنها ترامب على إيران، أدت بالمحصلة إلى تخلي الطرفين عن التزاماتهما الدولية، وهو ما ساعد إيران إلى الارتقاء إلى مرتبة "دولة عتبة نووية" مع مستوى تخصيب عند 60%، وهو مستوى قريب للغاية من مستوى الحصول على تقنية السلاح النووي. وتشير التقديرات إلى أنه بإمكان إيران –في حال رغبت بذلك– أن تصل إلى مستوى فوق 90% خلال 3 أسابيع. طبعاً هذا على المستوى التقني، لكن على مستوى تسليح التقنية فهو أعقد من ذلك.
برأيي، رغم كل المناورات الإيرانية، فإن إيران معنية بأمرين حالياً، قبول مكانتها باعتبارها دولة عتبة نووية وعدم تجاوز ذلك، بهدف الانفتاح الدولي ورفع العقوبات. أي ان الملف النووي وسيلة ضغط حتى الآن. لكن في حال لم تُجدِ، فإن إيران أصبحت تمتلك من المعرفة العلمية ما يؤهلها للوصول إلى السلاح النووي في وقت قصير للغاية. ولا أظن أنها ستتخلى عن هذه التقنية، وخصوصاً بعد الدرس الأوكراني والعراقي والليبي.
في حال امتلكت هكذا سلاح، فإنه سيمنح إيران مزيداً من القوة السياسية الإقليمية والدولية، وبالتالي تعزيز مشروعها الإقليمي.
لإيران علاقة إقليمية ودولية مهمة، ما دور هذه العلاقة فيما يجري في المنطقة، وهل تعتقد أنه يمكن لشبكة العلاقات هذه أن تضبط السلوك الإيراني؟
علينا أن نميز بين نوعين من العلاقات الإيرانية، الأولى علاقات تشابك عالية المستوى، وهي مع روسيا وتركيا، حيث تتنافس هذه الدول على إدارة الفراغ شرق الأوسطي. ومنعاً لتصادمها، هي تدير هذه المنافسة عبر القمم الرئاسية المتناوبة فيما بينها. ربما يقع بعض الصدام المسلح على الأرض بين وكلاء كل طرف، لكن هذا لا يعني أن هناك إشكالاً بين هذه الدول، بل على العكس، هي حريصة على الاستفراد بالفراغ شرق الأوسطي، وإبعاد الولايات المتحدة والقوى العربية عنه.
الأخرى، هي علاقات مصلحية واسعة، وأبرزها مع الصين. ولا نعتقد أن الصين أو سواها معني بشكل مباشر بضبط السلوك الإيراني، وخصوصاً في مرحلة السيولة الدولية، فكل قوة كبرى تبحث عن حلفاء لها (دون ضغوط)، وهي بالأساس سمة صينية.
الإشكال هنا، أن بعض القوى العربية، ترى أن التقرب من شبكة علاقات إيران، سيدفع دول هذه الشبكة إلى الضغط على إيران أو تقييد مشروعها أو التخلي عنها، ولا أعتقد أن ذلك وارد.
عوضاً عن ذلك، بإمكان القوى العربية بلورة مشروع حقيقي على الأرض، وجلب دعم دولي له، عوضاً عن الطلب من القوى الدولية مواجهة إيران بالوكالة عنها، فالعلاقات الدولية لا تجري بهذا الشكل.
هناك أيضاً إشكال آخر، هو الاعتقاد أن التحالف مع إسرائيل سيقود إلى مواجهة إيران، إسرائيل نفسها، ورغم كل التصريحات، غير قادرة على مواجهة إيران أو سواها، دون دعم أمريكي مفتوح، أي انخراط أمريكي عسكري مباشر، وهو أمر يفوق قدرة الولايات المتحدة ورغبتها ومصالحها الحالية، أي أن ما تفعله إسرائيل هو محاولة استدراج الولايات المتحدة إلى حرب مفتوحة مع إيران، فيما حدود الفعل الإسرائيلي لا تتجاوز عمليات التخريب والاغتيال والقرصنة، أو مواجهة إيران في الأراضي العربية (كما يحصل في سورية بشكل شبه يومي)، لكن حرباً مع إيران، ستعني بالضرورة انهياراً شرق أوسطي أكثر حدة بكثير مما هو قائم اليوم، لا مكان له في الاستراتيجيات الأمريكية الحالية.
يطول الحديث عن المسألة الإيرانية وتداعيتها الإقليمية، برأيكم، كيف ترون مستقبل الداخل الإيراني في ظل الاضطرابات الأخيرة، وهل تعتقدون أن هناك تغييراً قد يقع في النظام الإيراني، وفي أي اتجاه في حال وقع؟
النظام الإيراني الحالي (الملالي)، لم يعد صالحاً لإدارة الدولة الإيرانية، وشرعيته تتآكل بشكل متسارع، ورغم أنه مهيئ للسقوط، إلا أن ذلك لا يمنع استمراره على هذه الشاكلة لسنوات. بالنسبة لي كمراقب شرق أوسطي، أخشى من الانهيار المفاجئ في دولة بحجم وقوة إيران من جهة، عدا عن عدم ثقتي بأي نظام إيراني لاحق، فالإشكال الذي أراه هو إشكال في العقيدة الفارسية ذاتها، وإلى الآن لم يبدِ منافسو نظام ملالي أية بوادر حقيقية للتخلي عن النهج الامبريالي في العالم العربي، أو تجاوز اللحظة التاريخية التي علِق فيها الفرس قبل 15 قرناً.
في حال حصول تغيير، وهو وراد، أعتقد أن القوى العسكرية ستبقى مصانة وإن تغير ولاؤها، بمعنى أن الحرس الثوري سيحافظ على مسار التغيير، ولن يسمح بتفكيك الدولة، ما لم تظهر متغيرات جديدة. بالأصل، لا يوجد في إيران ولا خارجها معارضة قادرة على مواجهة الحرس الثوري، وإن كانت حظوظ مجاهدي خلق أكثر من سواها من المعارضات الإيرانية، لكن لا أظن أنها ستكون بمعزل عن الحرس الثوري. ما أخشاه، هو وصول جهة معارضة مقبولة غربياً إلى السلطة في طهران، ذات توجه قومي فارسي، تحتفظ بالمشروع الإيراني شرق الأوسطي، وبمعرفة نووية واسعة، وبوكلاء متنوعين، حينها علينا أن نتحضر لموجة جديدة من المد الإيراني في العالم العربي، موجة لا تهدد مصالح الغرب، وتتفق مع إسرائيل.
النص منشور لأول مرة في مجلة شؤون إيرانية، العدد 19، يناير/كانون الثاني 2023.
ومنشور في المكتب الاستشاري لشؤون الشرق الأوسط.

د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة شام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تشهد كثير من مجتمعات ما بعد النزاع مرحلة انتقال سياسي، تشمل العديد من الخطوات المجدولة زمانياً وبرامجياً، قبل الوصول إلى المرحلة التالية. في هذه المرحلة المبكرة من الانتقال، ترتفع الآمال لدى المجتمع في التخلص من الإرث الاستبدادي، وإحداث انتقال ديموقراطي، خصوصاً في حال ترافقت هذه المرحلة بثورة سابقة أطاحت بنظام استبدادي، ويبدو أن هذا ما تشهده الحالة السورية بالغة التعقيد، والتي تتداخل فيها عوامل محلية وخارجية كثيرة. تشمل هذه المرحلة غالباً مجموعة من الإشكاليات، تتمثل في تعدّد أو غياب البرامج والقوى السياسية، وإشكاليات تتعلق بالعدالة الانتقالية، والنزعة التسلطية النكوصية، وإعادة الإعمار، وتحسين المستوى المعاشي، وإطلاق الحريات السياسية والحياة السياسية، عدا عن إشكاليات تتعلق بالنفوذ الخارجي، وسواها العديد، نحاول مناقشته في هذه الورقة. إشكاليات الانتقال الديموقراطي في الحالة السورية تعتبر مرحلة ما بعد النزاع مرحلة بالغة الأهمية والخطورة معاً، إذ إن مسارها يحدد مستقبل الدولة تماماً، ونحن في سورية نقع ضمن سياق عربي يفرض ذاته علينا، وبالتالي نجد أن السياق العربي ذهب باتجاهات محدودة للغاية، فإما التحوّل نحو نظام استبدادي جديد (نكوص استبدادي)، وإما الذهاب إلى اقتتالات محلية جديدة، أو الجمع بين الاقتتال والتفتيت كما في السودان واليمن. نحتاج هذا السياق لنفهم المشهد السوري المقبل، فلن نكون خارجه أبداً، وخصوصاً أن ثقافتنا السياسية تتفق مع سياقنا العربي. عموماً، حتى نضبط مستقبلنا، علينا ضبط المرحلة الانتقالية. هذا الضبط، مسؤولية في ثلاثة اتجاهات، من السلطة، ومن النخب غير الحكومية، ومن المجتمع. لنفترض أننا منطقياً نتطلع إلى مستقبل ديموقراطي (وهو افتراض آمل أن يكون صحيحاً)، وهو افتراض قائم على أساس أن هذا الانتقال هو الأقل كلفة والأكثر قدرة على إدارة التنوع الهوياتي وإدارة النزاعات المحلية، وأكثر استدامة وأماناً لمستقبلنا. هذا يشترط كثيراً من المقدمات التي تبدو غائبة حتى الآن. إذ لا يمكن الوصول إلى هذا الهدف، في ظل عدم تصالح اجتماعي سوري. هذا التصالح لن يتم قبل مسار إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي، تجعل الضحايا أو ذويهم مقتنعين بأن المجرمين الحقيقين ستتم محاسبتهم. أي أن شرط نسيان آلام الماضي (من شروط بناء الأمم بعد النزاع) غائب عنا حتى الآن، ما يؤدي إلى تغذية مسار عكسي يتمثل في عدالة انتقامية فردية نتيجة خيبة الأمل التي تطال الضحايا وذويهم، وبالتالي عملية التصالح المطلوبة تبتعد أكثر فأكثر نتيجة إنتاج مظلوميات جديدة، تحضّر المشهد السوري لاحتمال اندلاع عنف محلي جديد. أما المدخل الثاني، فهو كرامة الأفراد معيشياً، فلن تستطيع الديموقراطية الانتقالية الصمود أمام حالة الفقر التي تطال غالبية السوريين (قرابة 80%)، ففيما ينشغل الأفراد في البحث عن قوت يومهم، لن يبقى لديهم أدنى اهتمام بالشأن العام، في ظلّ مدن يصل التهديم في بعضها إلى أكثر من 50%، فكيف يمكن إطلاق مسار ديموقراطي في ظل غياب الكرامة الفردية بالأساس، عدا عن وجود مئات آلاف السوريين في المخيمات، وملايين منهم في دول الشتات. ثم إن من الاشتراطات المهمة، هي تفعيل المواطنة الإيجابية، أي تلك التي تُحمِّل المواطن ذاته مسؤولية إدارة شأنه، وبالتالي تجعله شريكاً في بناء المستقبل، وهذا يتطلب حداً مقبولاً من اللامركزية، فيما نشهد حالة ضبابية بين مركزية مفرطة في ظل نظام رئاسي مفرط، مع حالات غير مضبوطة تشريعياً من اللامركزية. أي أن على السلطة والنخب معاً، الدفع باتجاه العدالة الانتقالية الحقيقة، ورفع مستوى المعيشة، وإطلاق مسار إعادة الإعمار التي تطال البنى التحتية والمساكن (وليس الفنادق والمشاريع الترفيهية)، وتعزيز اللامركزية، وإطلاق الحياة السياسة والحريات السياسة، حتى نضمن أن مسار الانتقال الحالي يسير باتجاه صحيح. بالنتيجة، لا يمكن بناء ديمقراطية فوق أنقاض العدالة، ولا فوق مجتمع يبحث عن رغيف الخبز، أو من خيم النازحين. وخطابي هنا للسلطة ذاتها، فالديموقراطية المترافقة بالعدالة والحريات هي ضمان لنا جميعاً في هذه البلاد من أي نكوص استبدادي، ولا مبرّر لتأجيلها، بل علينا البدء بها ولو تدريجياً، وعلى مراحل تتفق مع سياقنا. إشكالية العنف في المرحلة الانتقالية إن تحوّل العنف إلى سلوك معتاد أو مقبول اجتماعي، هو نتيجة ما ذكرناه: غياب العدالة الانتقالية من جهة، وضعف التشريعات القانونية أو عدم مواءمتها للتطورات من جهة ثانية، واستمرار الفساد من جهة ثالثة، وغياب الانتماء إلى المرحلة الانتقالية من جهة رابعة. كذلك الشعور لدى جماعات أو أفراد بأن هناك استئثاراً من قبل جماعة واحدة بالسلطة والمنافع والمناصب والقرارات. أي ما يمكن التعبير عنه بأزمات الهوية والمشاركة السياسية والتوزيع والانتشار والشرعية، وهي كلها أزمات مراحل التحديث. يضاف إلى ذلك، خطاب الكراهية المسكوت عنه، ما يعزّز حالة الانقسام الاجتماعي، ويهدم جسور التواصل الممكنة بين المكونات السورية، ويدفعها لمواجهة بعضها البعض (فردياً أو جماعياً). عدا عن إشكالية الخطاب الأيديولوجي الذي يحاول إعادة بناء الهوية الثقافية السورية باتجاه متشدد، يرفض التنوع الثقافي السوري ويهدمه، ما يعزز حالة الاحتقان، وقد يدفع باتجاه أشكال معينة من العنف المحلي. ثم إن السكوت عن العنف الفردي في العديد من الحالات، بحجة أنه موجّه تجاه "شبيحة أو فلول"، هو بشكل أو بآخر هدم لوظيفة السلطة والقانون، وإقرار بأحقية استخدام الأفراد لهذا العنف. ولن يمكن الخروج من ذلك، إلا بضبط الخطابات، ومحاسبة المجرمين ومحاسبة الذين يلجؤون إلى ما بات يعرف بالعدالة الانتقامية. لكن حتى لا يتحول ذلك إلى أداة تسلطية، فنحن نحتاج إلى منظومة قانونية تحمي حقوق الأفراد وحرياتهم. وربما تكون هذه مسؤولية أكبر على السلطة ذاتها، وإن كانت مسؤولية كل القوى الأخرى. إشكالية غياب المشروع السياسي الانتقالي حتى الآن لا نستطيع أن نحدد مشروعاً انتقالياً في سورية، اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، وليس سياسياً فقط. سياسياً، يبدو أن السلطة منشغلة بترسيخ البنى السلطوية أولاً، عبر كثير من الأدوات، وأبرزها الاستحواذ البيروقراطي (أي إعادة إنتاج البنية البيروقراطية بشكل يتفق مع مسارات السلطة)، وتغييب البيئة المنتجة للديموقراطية (الأحزاب، الانتخابات الحقيقية، الإعلام المستقل). لكن أدوات ذلك الترسيخ السلطوي ما تزال غير منضبطة، ما يجعلنا أمام احتمال إنتاج استبدادية هشة في المرحلة القادمة. أما على باقي المستويات، فلا نستطيع تحديد برنامج عمل واضح يمكن البناء عليه، والتنبؤ بمساراته، ومحاسبة السلطة عليه. يترافق ذلك مع غياب الشفافية في الإنفاق العام والتوظيف وصنع السياسات. تكمن الفرصة هنا أمام السلطة الانتقالية، في الاستماع للنخب من خارج السلطة أولاً، والبحث عن كفاءات من خارج المنظومة السياسية السلطوية ثانياً، أي البدء بمسار المشاركة السياسية، وبناء برنامج واضح وشفاف وشامل لكل وزارات الدولة، وبشكل مترابط، يجعل المواطن مطمئناً ومراقباً إيجابياً لمسار مستقبله. ذلك ممكن تدريجياً، حتى لا نقع تحت رحمة فرضية الأمن أو الحرية، فكلاهما ضروري، وكلاهما بحاجة بعضهما البعض. لذا، هي دعوة للسلطة، لإعادة إنتاج ذاتها وخطابها ورؤيتها. ومن الضرورات أيضاً، العمل على إطلاق الحياة السياسة المترافقة مع مؤتمر حوار وطني، يُنتِج عقداً اجتماعياً متوافقاً حوله، يكون أساساً لدستور ما بعد انتقالي، ولحياة سياسية مستقرة في البلاد. الإشكال الدولي في المشهد الانتقالي ما يزال الملف السوري ملفاً دولياً، ضمن التنافس الدولي على الشرق الأوسط، فما حصل منذ عام 2023 هو صراع مباشر بين المشروعين الإسرائيلي والإيراني، ومنذ اغتيال قادات حزب الله، بدا أن الشرق "الأوسط الإيراني" يزول، لصالح فراغ استراتيجي ستسعى إسرائيل لملئه في عملية تشكيل "شرق أوسط إسرائيلي". وهنا أقصد الهيمنة الإسرائيلية عوضاً عن الإيرانية، وكان لابد من التخلص من أدوات إيران في سورية "نظام الأسد" لإطلاق حملة عسكرية واسعة على المشروع الإيراني في الشرق الأوسط وحصره داخل الجغرافي الإيرانية وهذا ما نراه حتى اليوم. في المقابل يتبلور تنافس جديد أطرافه هي ذاتها السابقة، لكن التنافس يشتد بين تركيا وإسرائيل (القوى الإقليمية المؤثرة في الملف السوري)، فيما تكون سورية في مرحلة شد بين الطرفين. أعتقد أن القوى الخارجية توكل للسلطة الانتقالية وظائف عديدة، منها إدارة المشهد السوري، ضمن هذا التنافس، وما الانفتاح الدولي عليها إلا ضرورة لأداء الوظائف المناطة به. ومن تلك الوظائف أيضاً مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات في سورية، والمساهمة في تصفية المشروع الإيراني في الشرق الأوسط، وإحداث استقرار إلى حين الوصول إلى تسويات دولية بخصوص المنطقة بأسرها ما بعد الانتهاء من الملف الإيراني، سواءً أكانت تسويات سلمية أو غير ذلك. هذا الانفتاح قد يشكل فرصة لتعزيز الاستقرار في سورية، لكنه يتطلب اشتراطات محلية أيضاً، منها ما ذكرناه سابقاً، لناحية المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية، وإطلاق مسار انتقال سياسي حقيقي، وهذه لا تعني القوى الخارجية، طالما أن السلطة الانتقالية قادرة على أداء الوظائف المناطة بها. وهنا قد يبدو لنا أن الملف الخارجي أكثر نجاحاً، نتيجة ضبطه من الإرادة الدولية. وعموماً، قد تفضل بعض القوى الغربية، نظاماً قادراً على الضبط، ولو كان غير ديموقراطي، على نظام ديموقراطي يفتقد أدوات الضبط اللازمة. وهذه تتطلب موازنة أخرى بين الشرعية الداخلية والقبول الخارجي، وكلاهما ضروري للآخر. فالاستقرار المستدام لا يتحقق بالأمن وحده ولا بالاعتراف الخارجي وحده، بل ببناء شرعية داخلية تقوم على العدالة والمشاركة والمؤسسات. وهي دعوة للسلطة لإحداث هذه الموازنة. إشكالية السلطة التشريعية يبدو أن طموحاتنا كسوريين بانتقال سياسي حقيقي يقودنا نحو الديموقراطية، أكبر من واقعنا السوري السياسي والاجتماعي والسياسي، وخصوصاً أن سياقنا الثقافي والاجتماعي لا يساعدنا على الضغط باتجاه الدمقرطة حالياً، وهذا لا يعني إلغاء الانتقال الديموقراطي، بل يفرض مسؤولية أكبر علينا لتهيئة هذا السياق. في المقابل، ربما كان مقبولاً لفترة قصيرة في العام الأول من سقوط نظام الأسد، وجود سلطة تشريعية على هذه الشاكلة، لكن الإشكال حين يناط بهذه السلطة أن تكون حاضرة في كامل المرحلة الانتقالية المفترضة، فهي ليست سلطة تشريعية بالمعنى الحقيقي، أي إنها غير تمثيلية إذ لم ينتخبها الشعب السوري، فهي مفروضة (بشكل مباشر وغير مباشر) من السلطة التنفيذية، بل حتى إن صلاحياتها لا تتجاوز التصديق والموافقة على تشريعات السلطة التنفيذية، وهذا فعلياً يلغي دورها التشريعي والرقابي والمحاسبي، رغم وجود شخصيات داخل البرلمان القادم، قد تمتلك من الخبرات ما يكفي، لكنها لا تتشكل في برامج سياسية حزبية أو جماعية، ولا تمتلك صلاحيات التأثير الحقيقي. عدا عن نقطة بالغة الأهمية، هي أن ما يجعل السلطة التشريعية منضبطة وفعالة، طبيعة الجهة التي أوكلت إليها المهمة التمثيلية (أقصد الشعب)، لكنها هنا هي السلطة التنفيذية، فالتبعية للسلطة التنفيذية تبدو حتمية في هذا المشهد. وأقترح على السلطات الثلاث، رغم هيمنة السلطة التنفيذية عليها، أن تذهب باتجاه إحداث انتخابات شعبية مطلع العام القادم، لثلث أعضاء البرلمان، فيما يُنتّخب الثلث الثاني في نهايته، والثلث الثالث في نهاية المرحلة الانتقالية، وبذلك يكون لدينا مجلس تشريعي تمثيلي حقيقي، منتخب من قبل الشعب مباشرة، قادرة على نقل البلاد نحو المرحلة التالية. وعلى النواب بدورهم، إدراك حجم مهمتهم التاريخية، وألا يكونوا مجرد موظفين عموميين للتصديق على التشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية فقط، بل أن يدفعوا بدورهم نحو تشكيل كتل برلمانية قادرة على فرض ذاتها على السلطة التنفيذية، وفرض رؤيتها للمرحلة ما بعد الانتقالية، رغم أن هذه الرؤية غير واضحة حتى الآن. لا تعتبر هذه وحدها إشكاليات المرحلة الانتقالية في سورية، بل ربما أكثرها إلحاحاً، وهذه طبيعة المراحل الانتقالية في كثير من الحالات الدولية السابقة. لكن الركون إلى هذه الإشكاليات أو تجاوزها، قد يؤسس لبنيان هش غير قادر على الصمود أمام التحديات المستمرة في البيئة شرق الأوسطية، ما يتطلب منا جميعاً التكاتف لبناء مستقبلنا المشترك كما نرغب به. منشور في مجلة الوعي السوري الصادرة عن الحركة الوطنية السورية العدد 43، آب/أغسطس 2026، ص 18-21

تتشارك الأنظمة التسلطية بذات العقلية: الاستئثار بالسلطة والاستحواذ على المنافع، وهي لا تختلف فيما بينها حول هذه العقلية. لكنها تختلف في أدواتها ووسائل تحقيقها. إذ تفضل بعض الأنظمة التسلطية توسيع دائرة توزيع المنافع (توسيع الزبونية)، وخصوصاً تلك التي تمتلك فائضاً من الموارد، تستطيع من خلاله استرضاء بعض النخب أو فئات من الشعب، لكنه يزيد من تطلعات هذه الفئات وضغطها على السلطة. لذا تفضل أخرى اللجوء إلى القمع أو العنف حتى، وتعتبره أقل كلفة من توسيع عملية التوزيع، وخاصة في الدول ذات الموارد المحدودة، لكن ذلك يؤدي إلى تآكل الشرعية المحدودة أساساً، ويدفع نحو مزيد من الاضطرابات المجتمعية. ويحتاج كل نظام تسلطي إلى مبررات "أخلاقية" لتبرير تسلّطه، بغض النظر عن سلامة هذه المبررات، فقد تكون قومية، أو أيديولوجية، أو دينية، لكن لا يشترط أن يكون معنياً فعلياً بتحقيق هذه الغايات كما تفعل الأنظمة الشمولية، إنما هي مبررات لا أكثر. فيما تلجأ أخرى إلى صناعة عدو (حقيقي أو متخيل، داخلي أو خارجي)، بغرض التحشيد من جهة وتبرير القمع والعنف من جهة ثانية. إن الميل إلى التسلط هو طبيعة كثير من الأنظمة، خصوصاً إن لم تجد قوى سياسية مناهضة لها وقادرة على حشد الشارع خلفها، وأيضاً إن كانت الثقافة المحلية منتِجة هي بذاتها للاستبداد. كما أن المجتمعات التي لديها إرث استبدادي طويل هي أكثر ميلاً لتقبل إنتاج استبداد جديد، بغض النظر عن طبيعتها الثقافية أيضاً، عدا عن ميل المجتمعات الفقيرة والمضطربة إلى السلطة الأقوى منها إلى السلطة الأكثر ديموقراطية. أي إن الاستبداد يأتي لملء فراغات في المجتمع، ويتغذى على هذه الفراغات: فراغ وجود قوى سياسية منظمة، وفراغ ثقافي ديموقراطي، وفراغ مشاركة سياسية فعالة، وفراغ في الأمن.

د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية في جامعة الشام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تشهد منطقة شرق المتوسط، تحديات أمنية مستمرة، مرتبطة بكثير من العوامل، مُنتِجة تداعيات على كامل الإقليم، ومنه سيولة أو هشاشة الحدود داخل المنطقة، وتحوّلها إلى مساحات لإدارة النفوذ والتهريب وحركة السلاح والمقاتلين. ومما يعقّد هذا الإشكالية تعدّد الفاعلين المحليين والخارجيين ذوي المصالح المرتبطة بتلك الهشاشة، ما يوجب على دول المنطقة ابتكار خطط أمنية جديدة، وتطوير مؤسساتها المشتركة، ومصالحها المستحدثة في تحويل المنطقة إلى ممرّات دولية للطاقة والتجارة العالمية. وتقع سورية في قلب هذه الهشاشة الحدودية، باعتبارها حلقة الوصل بين كافة دول شرق المتوسط من جهة، والعراق والخليج وتركيا من جهة ثانية، أي أنها معنية مباشرة بالتهديدات الأمنية في المنطقة، وبالفرص الواعدة في الممرات الدولية. عوامل هشاشة الحدود كثيرة هي عوامل هشاشة الحدود في منطقة الشرق الأوسط، بدءاً من مشكلة تراجع سيادة بعض دول الإقليم، مروراً بالتدخلات الإقليمية والدولية، إلى جانب عوامل جغرافية واقتصادية. ستزداد هذه المشكلة مع الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي ساهم في توسيع حركة المقاتلين الأجانب والإرهابيين (جزء منها بإشراف من دول المنطقة ذاتها) للتنقل عبر الحدود التي ما عادت مضبوطة. لكن تداعي هذه الحدود، سيصبح أكثر إشكالية بعد الثورة السورية، التي أفقدت الحكومة السورية كثيراً من سيادتها على هذه الحدود، في الاتجاهات جميعها، وأتاحت للعديد من دول الإقليم التدخل عبر وكلائها أو بشكل مباشر لتحقيق مشاريعها. عدا عن أنّ هذا الفراغ أتاح للجماعات الإرهابية، والميليشيات الأجنبية، والتجارة غير الشرعية، والنزعات الانفصالية ذات البعد القومي، بل وحتى بعض الدول الإقليمية والقوى الدولية، الحركة بشكل أكثر يسراً. وبما أن الحدود السورية مشتركة مع كافة دول الإقليم، فإن المشكلة تزداد تعقيداً، حيث أن لكل جزئية منها خصوصيته، إذ تفرض تركيا رقابة صارمة على حدودها مع سورية بناء على مخاوف أمنية تدفعها للتحرك داخل الأراضي السورية، فيما تبدو الحدود العراقية مع سورية أكثر تحدياً نتيجة طولها من جهة، ووجود الجماعات الإرهابية والميليشيات على جانبي الحدود في بعض تلك المناطق الصحراوية. وتبقى الحدود السورية اللبنانية الأكثر اضطراباً، نتيجة عدم استكمال الترسيم في بعضها، ووعورتها الجبلية، وتداخلها السكاني، وطالما كانت معابر مهمة لميليشيا حزب الله لحركة المقاتلين وتهريب السلاح تحت رعاية نظام الأسد وإيران. فيما تبدو الحدود الأردنية الأقل إشكالية، لكنها أيضاً تشهد حركة لتجار المخدرات باتجاه دول الخليج العربي. بدروه، يساهم الاحتلال الإسرائيلي لمناطق حدودية سورية في تحفيز حركة الجهاديين بدوره. أي أن طول الحدود وطبيعتها الجغرافية، إلى جانب طبيعة النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط تفرض ذاتها كتحدٍ أمني حقيقي، وهذا ما يجعل ضبط هذه الحدود تحدياً أمنياً يحتاج إلى معالجات فعّالة. إدارة هذا التحدي، تتطلب كثيراً من العوامل، ربما من أبرزها استقرار حكومات المنطقة وقدرتها على فرض سيادتها على هذه الحدود، على أن يترافق ذلك بترسيمها بشكل كامل، وتشكيل لجان أمنية إقليمية مشتركة قادرة على تبادل المعلومات الأمنية حول التهديدات المحتملة، وتسيير دوريات مشتركة، واستخدام تقنيات مراقبة حديثة. وهناك عوامل أخرى، تبقى مهمة، وخصوصاً المتعلقة بتنمية المناطق الحدودية وتطوير اقتصاداتها، لدفعها بعيداً عن التجارة غير الشرعية. حدود غير مسيطر عليها، وفاعلون متعددون تعتبر هاتان المشكلتان مترابطتين، فرغم توسيع السلطة السورية الانتقالية سيطرتها على غالبية الأراضي السورية، إلا أن جزءاً من تلك المناطق ما يزال خارج سيطرتها، مع افتقارها لتعاون إقليمي شامل، وقدرات تقنية وعسكرية متطورة لإدارة الحدود. ومن جهة أخرى، تبرز مشكلة تعدّد الفاعلين كعامل أقل مما كان عليه قبل عام 2024، إذ ما تزال تركيا تمتلك حرية في التحرك العسكري على امتداد جزء مهم من الحدود الشمالية من جهة (بالتنسيق مع السلطات السورية)، فيما تقع مسؤولية ضبط الحدود في بعض المناطق الشرقية ضمن ترتيبات أمنية مشتركة مع قسد، ما يتطلب استكمال دمج البنى الأمنية والعسكرية بين الطرفين. ارتباط هذين العاملين معاً، يعقّد مشكلة الحدود، ويضع عبئاً أكبر على السلطات السورية الانتقالية، إذ يحتاج الأمر في الأساس إلى إدارة سورية موحدة قادرة على تطبيق برنامج متكامل. يرتبط هذان العاملان أيضاً، لناحية ضرورة التنسيق مع دول الجوار لمواجهة التحديات المشتركة والمتمثلة في شبكات التهريب والجماعات المسلحة والاقتصاد غير الرسمي وسواها من التحديات التي تضعف قدرة السلطات السورية على ضبط حدودها. قيود التنافس الدولي في شرق المتوسط تبقى الجغرافيا السورية مجالاً لتقاطع النفوذ الإقليمي أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، وخصوصاً أن منطقة شرق المتوسط ما تزال تشهد نزاعات إقليمية غير محسومة، تستخدم هذه الجغرافيا لفرض مشاريعها الإقليمية، ما يحمّل السلطات السورية أعباء إضافية في ضبط هذه الحدود. ويمكن للخطط الأمنية الإقليمية المساهمة في ضبط حدود المنطقة، وإن كانت بحاجة إلى مزيد من التطوير من جهة، والتعاون الإقليمي من جهة أخرى. لكنها قد لا تستطيع إنهاء التدخلات الدولية التي تفرض على المنطقة أن تكون ساحة للتنافس والنزاع الإقليمي والدولي. وذلك يبدو أكثر إشكالية، حيث إن الجغرافيا السورية تقع بين مشاريع متنافسة (تركيا، إسرائيل، الولايات المتحدة، روسيا، مع تراجع إيراني واضح)، ما يجعل سورية ولبنان عموماً، ساحة للتنافس الإقليمي، عدا عن سياسات إسرائيل التوسعية المستمرة في كلتا الدولتين. صحيح أن إعادة بناء المؤسسات السورية سيمنح السلطات السورية مزيداً من القدرة على إدارة ملفاتها الحدودية، لكن المنطقة بأسرها ما تزال في قلب التنافس الخارجي، والذي يمتلك العديد من أطرافه وكلاء داخل هذه الجغرافيا، ما يجعل مستقبل المنطقة بدوره مرتبطاً بمسارات هذا التنافس (سلمي، نزاع عبر الوكلاء، نزاع مباشر، إعادة رسم الجغرافيا)، وهو مستقبل على المدى المنظور، متعلق بتطورات التصعيد العسكري الأمريكي-الإيراني، التي قد يعقبها العودة إلى شرق المتوسط، لفرض أشكال جديدة من النفوذ فيه. أي أن تفكيك شبكات النفوذ، أمر مرتبط بفرض السيادة وإعادة بناء المؤسسات، لكنه مرتبط كذلك بالتنافس الدولي في الإقليم. هذا التنافس الذي بدأ يأخذ أشكالاً عدة، منها تنافس الهيمنة السياسية والعسكرية، وأخرى تتعلق بالتنافس على ممرات الطاقة والتجارة، وثالثة على إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي. ختاماً ، وفيما تتعدد العوامل التي تشكّل تهديداً أمنياً مستمراً في المنطقة، سواء لناحية ضعف بعض حكوماتها، أو غياب التنسيق المشترك بينها، أو تعدد الفاعلين الدوليين ودون الدولتيين، واستمرار نزاعات الهيمنة فيما بينهم في المنطقة، إلا أن الفرص المستحدثة في تحويل المنطقة إلى ممرات دولية للتجارة العالمية وللطاقة، قد تشكل حافزاً مهماً لحكومات المنطقة وشركائهم الدوليين، في ضبط تلك الحدود وتنميتها، لكن هذا يتطلب مستويات عليا من الضبط، وفي المقام الأول إرادة سياسية مشتركة بين دول الإقليم. منشور في موقع الحركة الوطنية السورية

حاورته: آلاء المدني د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة شام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية السؤال الأول: تكون المجتمعات في مرحلة ما بعد النزاع في مرحلة من الانتقال السياسي، وأمامها خطوات عليها تحقيقها لتجاوز هذه المرحلة بشكل ناجح. ما هي هذه الخطوات؟ وبرأيك ما هي الخطوات المتحققة منها في سورية اليوم؟ وما هي الملفات التي ما تزال عالقة وتعيق هذا الانتقال؟ حياكم الله، وشكراً على هذه المساحة. آملنا كبيرة في مرحلة الانتقال السياسي، خصوصاً بعد عقود طويلة من الاستبداد، تلتها ثورة تحولت إلى نزاع مسلح داخلي وإقليمي ودولي، وهذا ما يعقد انتقالنا نحن في سورية تحديداً، في ظل ضغوط نحو تحول ديموقراطي. لذا بداية، إن عملية الانتقال السياسي لا تبدأ من صناديق الاقتراع، بل تبدأ من إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. حتى نفهم الفكرة علينا أن نقر بأن مرحلة ما بعد النزاع مرحلة بالغة الأهمية والخطورة معاً، إذ إن مسارها يحدد مستقبلنا تماماً، ونحن في سياق عربي يفرض ذاته علينا، وبالتالي نجد أن السياق العربي ذهب باتجاهات محدودة للغاية، فإما التحول نحو نظام استبدادي جديد (نكوص استبدادي)، وإما الذهاب إلى اقتتالات محلية جديدة، أو الجمع بين الاقتتال والتفتيت كما في السودان واليمن. نحتاج هذا السياق لنفهم المشهد السوري المقبل، فلن نكون خارجه أبداً، وخصوصاً أن ثقافتنا السياسية تتفق مع سياقنا. عموماً، حتى نضبط مستقبلنا، علينا ضبط المرحلة الانتقالية، هذا الضبط، مسؤولية في ثلاثة اتجاهات، من السلطة، ومن النخب غير الحكومية، ومن المجتمع. لنفترض أننا منطقياً نتطلع إلى مستقبل ديموقراطي (وهو افتراض آمل أن يكون صحيحاً)، وهذا الافتراض قائم على أساس أن هذا الانتقال هو الأقل كلفة والأكثر قدرة على إدارة التنوع الهوياتي وإدارة النزاعات المحلية، وأكثر استدامة لمستقبلنا. هذا يشترط كثيراً من المقدمات تبدو غائبة حتى الآن. إذ لا يمكن الوصول إلى هذا الهدف، في ظل عدم تصالح اجتماعي سوري، هذا التصالح لن يتم قبل مسار إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقية، تجعل الضحايا أو ذويهم مقتنعون بأن المجرمين الحقيقين ستتم محاسبتهم. أي أن شرط نسيان آلام الماضي غائب عنا حتى الآن، ما يؤدي إلى تغذية مسار عكسي يتمثل في عدالة انتقامية فردية نتيجة خيبة الأمل التي تطال الضحايا وذويهم، وبالتالي عملية التصالح المطلوبة تبتعد أكثر فأكثر نتيجة إنتاج مظلوميات جديدة، تحضّر المشهد السوري لاحتمال اندلاع عنف محلي جديد. أما المدخل الثاني، فهو كرامة الأفراد معيشياً، فلن تستطيع الديموقراطية الانتقالية الصمود أمام حالة الفقر التي تطال غالبية السوريين (قرابة 80%)، ففيما ينشغل الأفراد في البحث عن قوت يومهم، لن يبقى لديهم أدنى اهتمام بالشأن العام، في ظل مدن بعضها يصل نسبة التهديم فيه إلى أكثر من 50%، فكيف يمكن إطلاق مسار ديموقراطي في ظل غياب الكرامة الفردية بالأساس، عدا عن وجود مئات آلاف السوريين في المخيمات، وملايين منهم في دول الشتات. ثم إن من الاشتراطات المهمة، هي تفعيل المواطنة الإيجابية، أي تلك التي تُحمِّل المواطن ذاته مسؤولية إدارة شأنه، وبالتالي تجعله شريكاً في بناء المستقبل، وهذا يتطلب حداً مقبولاً من اللامركزية، فيما نشهد حالة ضبابية بين مركزية مفرطة في ظل نظام رئاسي مفرط، مع حالات غير مضبوطة تشريعياً من اللامركزية. أي أن على السلطة والنخب معاً، الدفع باتجاه العدالة الانتقالية الحقيقة، ورفع مستوى المعيشية، وإطلاق مسار إعادة الإعمار التي تطال البنى التحتية والمساكن (وليس الفنادق والمشاريع الترفيهية)، وتعزيز اللامركزية، حتى نضمن أن مسار الانتقال الحالي يسير باتجاه صحيح. بالنتيجة، لا يمكن بناء ديمقراطية فوق أنقاض العدالة، ولا فوق مجتمع يبحث عن رغيف الخبز، أو من خيم النازحين. وخطابي هنا للسلطة ذاتها، فالديموقراطية المترافقة بالعدالة هي ضمان لنا جميعاً في هذه البلاد، ولا مبرر لتأجيلها، بل علينا البدء بها ولو تدريجياً، وعلى مراحل تتفق مع سياقنا. السؤال الثاني: ما الذي يجعل العنف يتحول من استثناء إلى سلوك معتاد في المجتمع؟ وكيف يمكن الخروج من هذه الحلقة؟ تحوّل العنف إلى سلوك معتاد أو مقبول اجتماعي، هو نتيجة ما ذكرناه، غياب العدالة الانتقالية من جهة، وضعف التشريعات القانونية أو عدم مواءمتها للتطورات من جهة ثانية، واستمرار الفساد من جهة ثالثة، وغياب الانتماء إلى المرحلة الانتقالية من جهة رابعة. كذلك الشعور لدى جماعات أو أفراداً بأن هناك استئثاراً من قبل جماعة واحدة بالسلطة والمنافع والمناصب والقرارات. أي ما يمكن التعبير عنه بأزمات الهوية والمشاركة السياسية والتوزيع والانتشار والشرعية، وهي كلها أزمات مراحل التحديث. يضاف إلى ذلك، خطاب الكراهية المسكوت عنه، بل إن بعضه يكون من جهات إما ذات سلطة أو مقربة من السلطة، ما يعزّز حالة الانقسام الاجتماعي، ويهدم جسور التواصل بين المكونات السورية، ويدفعها لمواجهة بعضها البعض (فردياً أو جماعياً). عدا عن الخطاب الأيديولوجي الذي يحاول إعادة بناء الهوية الثقافية السورية باتجاه متشدد، يرفض التنوع الثقافي السوري ويهدمه، ما يعزز حالة الاحتقان، وقد يدفع باتجاه أشكال معينة من العنف المحلي. ثم إن السكوت عن العنف الفردي في العديد من الحالات، بحجة أنه موجّه تجاه "شبيحة أو فلول"، هو بشكل أو بآخر هدم لوظيفة السلطة والقانون، وإقرار بأحقية استخدام الأفراد لهذا العنف. ولن يمكن الخروج من ذلك، إلا بضبط الخطابات، ومحاسبة المجرمين ومحاسبة الذين يلجؤون إلى ما بات يعرف بالعدالة الانتقامية. لكن حتى لا يتحول ذلك إلى أداة تسلطية، فنحن نحتاج إلى منظومة قانونية تحمي حقوق الأفراد وحرياتهم. فوجدنا مثلاً أن بعضاً ممن يروّج لخطاب كراهية لا يحاسب عليه، في حين أن من ينتقد سلوكاً غير سوي لأحد المقربين من السلطة يمكن أن يتم توقيفه، هذه الانتقائية القانونية ستكون وبالاً على البلاد في حال لم يتم ضبطها. وربما تكون هذه مسؤولية أكبر على السلطة ذاتها، وإن كانت مسؤولية كل القوى الأخرى. السؤال الثالث: هناك من يرى أن المشروع السياسي للسلطة وخاصة على المستوى الداخلي غير واضح، كيف تقرأ ذلك؟ وبرأيك لماذا تعطى الأولوية للسياسة الخارجية؟ صحيح، حتى الآن لا نستطيع أن نحدد مشروعاً انتقالياً للسلطة، اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، وليس سياسياً فقط. سياسياً، يبدو أن السلطة منشغلة بترسيخ البنى السلطوية أولاً، عبر كثير من الأدوات، وأبرزها الاستحواذ البيروقراطي (أي إعادة إنتاج البنية البيروقراطية بشكل يتفق مع مسارات السلطة)، وتغييب البيئة المنتجة للديموقراطية (الأحزاب، الانتخابات الحقيقية، الإعلام المستقل). لكن أدوات ذلك ما تزال غير منضبطة، ما يجعلنا أمام احتمال إنتاج استبدادية هشة في المرحلة القادمة. أما على باقي المستويات، فلا نستطيع تحديد برنامج واضح، يمكن البناء عليه والتنبؤ بالمسارات، ومحاسبة السلطة، يترافق ذلك مع غياب الشفافية في الإنفاق العام والتوظيف وصنع السياسات. حتى إن البعض يرى أن بعض الوزارات تعمل على مسارات مضادة لوزارات أخرى، بل إن ذات الوزارة قد لا تمتلك خطة واضحة لكامل المرحلة الانتقالية. أما في السياسية الخارجية، فلا أرى أنه أولوية، بقدر ما هي ضبط خارجي من الدول التي تشرف على عملية الانتقال، من خلال توفير أقنية أو مسارات محددة تسهم في إدارة التنافس الدولي في سورية، أو الصراع الدولي، فما نزال في مرحلة خطرة في الشرق الأوسط من هذا الصراع. تكمن الفرصة هنا أمام السلطة الانتقالية، في الاستماع للنخب من خارج السلطة أولاً، والبحث عن كفاءات من خارج المنظومة السياسية السلطوية ثانياً، أي البدء بمسار المشاركة السياسية، وبناء برنامج واضح وشفاف وشامل لكل وزارات الدولة، وبشكل مترابط، يجعل المواطن مطمئناً ومراقباً إيجابياً لمسار مستقبله. ذلك ممكن تدريجياً، حتى لا نقع تحت رحمة فرضية الأمن أو الحرية. كلاهما ضروري، وكلاهما بحاجة بعضهما البعض. لذا، هي دعوة للسلطة، لإعادة إنتاج ذاتها وخطابها ورؤيتها. السؤال الرابع: من الملاحظ أن المجتمع الدولي يتعامل بانفتاح على السلطة الجديدة، كيف يمكن أن يترجم هذا الانفتاح؟ وهل سيزيد من فرص الاستقرار الداخلي؟ هنا نكمل النقطة السابقة، حيث أن الملف السوري ما يزال ملفاً دولياً، ضمن التنافس الدولي على الشرق الأوسط. ما حصل منذ عام 2023 هو صراع مباشر بين المشروعين الإسرائيلي والإيراني، ومنذ اغتيال قادات حزب الله، بدا أن الشرق "الأوسط الإيراني" يزول، لصالح فراغ استراتيجي ستسعى إسرائيل لملئه في عملية تشكيل "شرق أوسط إسرائيلي". وهنا أقصد الهيمنة الإسرائيلية عوضاً عن الإيرانية، وكان لابد من التخلص من أدوات إيران في سورية "نظام الأسد" لإطلاق حملة عسكرية واسعة على المشروع الإيراني في الشرق الأوسط وحصره داخل الجغرافي الإيرانية وهذا ما نراه حتى اليوم. في المقابل يتبلور تنافس جديد أطرافه هي ذاتها السابقة، لكن التنافس يشتد بين تركيا وإسرائيل (القوى الإقليمية المؤثرة في الملف السوري)، فيما تكون سورية في مرحلة شد بين الطرفين. أعتقد أن القوى الخارجية توكل للسلطة الانتقالية وظائف عديدة، منها إدارة المشهد السوري، ضمن هذا التنافس، والانفتاح هو ضرورة لأداء الوظائف المناطة بها، ومنها أيضاً مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات في سورية، والمساهمة في تصفية المشروع الإيراني في الشرق الأوسط، وإحداث استقرار إلى حين الوصول إلى تسويات دولية بخصوص المنطقة ما بعد الانتهاء من الملف الإيراني. سواءً أكانت تسويات سلمية أو غير ذلك. هذا الانفتاح قد يشكل فرصة لتعزيز الاستقرار، لكن يتطلب اشتراطات محلية أيضاً، منها ما ذكرناه سابقاً، لناحية المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية، وإطلاق مسار انتقال سياسي حقيقي، وهذه لا تعني القوى الخارجية، طالما أن السلطة الانتقالية قادرة على أداء الوظائف المناطة بها. وهنا يبدو لنا أن الملف الخارجي أكثر نجاحاً، نتيجة الإرادة الدولية. وعموماً، قد تفضل بعض القوى الغربية، نظاماً قادراً على الضبط، ولو كان غير ديموقراطي، على نظام ديموقراطي يفتقد أدوات الضبط اللازمة. وهذه تتطلب موازنة أخرى بين الشرعية الداخلية والقبول الخارجي، وكلاهما ضروري للآخر. فالاستقرار المستدام لا يتحقق بالأمن وحده ولا بالاعتراف الخارجي وحده، بل ببناء شرعية داخلية تقوم على العدالة والمشاركة والمؤسسات. وهي دعوة للسلطة لإحداث هذه الموازنة. السؤال الخامس: في الأمس تم استكمال الثلث المكمل للمجلس التشريعي، إلى أي حد تراه يمثل السوريين؟ وما المطلوب منه بناء على الصلاحيات التي يملكها؟ هذا ملف معقد، علينا بداية الإقرار بأن طموحاتنا كسوريين بانتقال سياسي حقيقي يقودنا نحو الديموقراطية، هي أكبر من واقعنا السوري السياسي والاجتماعي والسياسي، وخصوصاً أن سياقنا الثقافي الاجتماعي لا يساعدنا على الضغط باتجاه الدمقرطة حالياً، وهذا لا يعني إلغاء الانتقال الديموقراطي، بل يفرض مسؤولية أكبر علينا لتهيئة السياق هذا. في المقابل، ربما كان مقبولاً لفترة قصيرة في العام الأول من سقوط نظام الأسد، وجود سلطة تشريعية على هذه الشاكلة، لكن الإشكال حين يناط بهذه السلطة أن تكون حاضرة في كامل المرحلة الانتقالية المفترضة، لكنها ليست سلطة بالمعنى الحقيقي، أي أنها غير تمثيلية إذ لم ينتخبها أحد، فهي مفروضة (بشكل مباشر وغير مباشر) من السلطة التنفيذية، بل حتى إن صلاحياتها لا تتجاوز التصديق والموافقة على تشريعات السلطة التنفيذية، وهذا فعلياً يلغي دورها التشريعي والرقابي والمحاسبي، رغم وجود شخصيات داخل البرلمان القادم، قد تمتلك من الخبرات ما يكفي، لكنها لا تتشكل في برنامج سياسي حزبي أو جماعي، ولا تمتلك صلاحيات التأثير الحقيقي. عدا عن نقطة بالغة الأهمية، أن ما يجعل السلطة التشريعية منضبطة هي السلطة التي أوكلت إليها المهمة التمثيلية (أقصد المجتمع)، لكنها هنا هي السلطة التنفيذية، فالتبعية تبدو حتمية في هذا المشهد. وأقترح على السلطات الثلاث الآن، رغم هيمنة السلطة التنفيذية عليها، أن تذهب باتجاه إحداث انتخابات شعبية مطلع العام القادم، لثلث أعضاء البرلمان، فيما ينتخب الثلث الثاني في نهايته، والثلث الثالث في نهاية المرحلة الانتقالية، وبذلك يكون لدينا مجلس تشريعي تمثيلي حقيقي، منتخب من قبل الشعب مباشرة، قادرة على نقل البلاد نحو المرحلة التالية. آمل أن يدرك النواب مهمتهم التاريخية، وألا يكونوا مجرد موظفين عموميين للتصديق على التشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية فقط، بل أن يدفعوا بدورهم نحو تشكيل كتل برلمانية قادرة على فرض ذاتها على السلطة التنفيذية، وفرض رؤيتها للمرحلة ما بعد الانتقالية، رغم أن هذه الرؤية غير واضحة حتى الآن. وهنا لا أقصد كتل المعارضة، بقدر ما أقصد كتلاً وطنية تراعي مصلحة البلاد أولاً وآخراً. في الختام، مستقبلنا هو مسؤوليتنا جميعاً. شكراً لكم مرة أخرى على هذه المساحة الواسعة من صحيفتكم.

لا يبدو أن التحرك الإسرائيلي في الشرق الأوسط سيتوقف عند الحدود التي وصلها خلال العقد الفائت، بل إن إسرائيل –ونتنياهو تحديداً– تشتغل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتفق مع اعتبارها القوة الأكثر هيمنة فيه، أو إن استطاعت أن تكون القوة المهيمنة الوحيدة فيه. ما يميز التحرك الإسرائيلي، هو استراتيجيته طويلة المدى، أي وضع هدف والاشتغال على تحقيقه عبر حكومات متتالية، ويبقى الهدف الأعلى لدى إسرائيل هو تقويض أية قوة منافسة لها في الشرق الأوسط، باعتبار أن أي صعود لقوى عربية أو شرق أوسطية سيعني تراجعاً في نفوذ وقوة إسرائيل الإقليمية، وحيث أن إسرائيل ستبقى عالقة في عقدة رفض المحي لها، فإنها تعمل على توسيع مجالها الأمني أكثر فأكثر نتيجة معضلتها الأمنية وقلقها الدائم من جوارها. إذاً، هي تشتغل انطلاقاً من الخوف الأمني المصحوب برفضها أية تسويات يتشارك فيها الجميع منافع الشرق الأوسط، ورفضها وجود أي منافس في ذات البيئة الجغرافية. وإن كانت تعتبر ما يجري حولها تهديدات أمنية، فهي ليس كذلك بالضبط، بل هي تهديدات لمطامع إسرائيل الأمنية شرق الأوسطية. وحيث أن ترتيبات القرن العشرين لم تعد مواتية لإسرائيل، سواء لناحية تغيير العقلية الإسرائيلية من عقلية تثبيت الوجود إلى عقلية توسيع الوجود، ثم إلى عقلية القضاء على وجود المنافسين، أو نتيجة تغير المعطيات شرق الأوسطية، وغياب أنظمة كانت ضامناً لأمن إسرائيل (مثل نظام الأسد)، وبروز جماعات جهادية على حدودها (بتنوعها الأيديولوجي والمذهبي)، غير مضمونة السلوك وإن كان هناك تصريحات رسمية بضمان سلوكها الأمني (لكن إسرائيل لا تتعامل بالنوايا في هذه الحالة)، فإن ما تتطلع إليه إسرائيل، هو تقويض قدرة النظام السوري الجديد على تشكيل أي تهديد، من خلال ما تطالب به من منطقة عازلة واسعة، لكنها فعلياً تقوّض استقلالية وسيادة الدولة السورية (المنقوصة أساساً)، وتفرض شروط تسويات تضمن بقاء سورية دولة هشة غير قادرة على تشكيل أي تهديد للنفوذ الإسرائيلي شرق الأوسطي (ما يتجاوز الموضوع الأمني)، وما يضمن عودتها للمشهد السوري دائماً. لا تمتلك دمشق مقومات المواجهة المباشرة أبداً، ولا يبدو أنها ترغب في أي نوع من المواجهات غير المباشرة مع إسرائيل، وخصوصاً أن لديها استحقاقات داخلية كثيرة غير منجزة بعد، وهي أكثر ميلاً للتوقيع على اتفاقية تسوية سلمية (اتفاق سلام مثلاً)، يضمن للسلطة الجديدة بقاءها، لكن مع حد أدنى من الشروط المقبولة لجمهورها (ومعارضيها إن تسنى ذلك)، وخصوصاً في ظل ضغوط أمريكية من جهة، وغياب الفعالية العربية في مواجهة إسرائيل من جهة ثانية. بالأساس، لم تكمل السلطة السورية الجديدة استحقاق استعادة السيادة كاملة، وما يزال قرارها السياسي غير مستقل بشكل كامل، وما تزال شرعيتها قيد التكوين بل وهشة أمام اضطرابات داخلية عديدة، لذا فإن هناك احتمالاً لفرض تسوية قريبة من التصور الإسرائيلي في الفترة القادمة، على الأقل بخصوص نزع السلاح جنوب دمشق، لكن الإشكال قد يبقى لفترة بخصوص السويداء، إذ إنها تشكل دليل عمل لكافة الجماعات السورية المسلحة الأخرى. وفيما يستمر الضغط الإسرائيلي بالاستناد إلى عناصر قوة عديدة، فإن الموقف السوري يفتقر إلى عوامل إسناد تجعله قادراً على فرض شروط تسوية غير مقبولة لإسرائيل، ولا يشكل الترحيب الأمريكي بالسلطة السورية الجديدة عنصر دعم حقيقي لها في مواجهة إسرائيل، بقدر ما توفره رغبة ترامب في إحداث استقرار شرق أوسطي يتفق مع المصالح الأمريكية أولاً والإسرائيلية ثانياً، ويضمن عدم تهديد هذا الاستقرار على المدى الطويل.

كلمة ألقيت في ندوة "نحو مستقبل مشترك"، التي عقدتها الحركة الوطنية السورية في مدينة حلب - سورية، بتاريخ 20 أيار/مايو 2026 الدكتور عبد القادر نعناع حياكم الله جميعاً في هذا الجميع الطيب، وهي فرصة لم تكن لولا هذا التغيير السياسي الكبير الذي حصل في بلادنا، وخلاصنا من نظام استبدادي شرس مكث على صدورنا عقوداً من الزمن، جرّف فيها كل أشكال الحياة السياسية، ودمر جزءاً مهماً من تاريخنا، مادياً ومعنوياً. نجتمع اليوم، باعتبارنا جزءاً من النخب السورية وخصوصاً في محافظة حلب، في محاولة جادة لتنشيط الحياة السياسية كما أملها آباؤنا المؤسسون للجمهورية، متصدرين المسؤولية التاريخية التي تواجهنا، باعتبارنا وكلاء المستقبل السوري، ومدركين أهمية تعاضدنا جميعاً في إنتاج هذا المستقبل، والتصدي لأية نكسات قد تحيق بمستقبلنا، سواءً أكانت نكسات باتجاه الاستبداد، أو الاقتتال، أو الانهيار. إن ما لحق بنا من تدمير للحياة السياسية والحياة المادية وما يرتبط بهما، يضعنا أمام مسؤولية إعادة البناء الفكري إلى جانب المادي. وحتى نكون مدركين لحجم المخاطر التي سنواجهها، علينا أن ندرك أن أي مسار للتنمية السياسية سيواجه أزمات عديدة. وقد خلصت كل التجارب التي سبقتنا إلى أن حل أزمة الهوية هو المدخل الأكثر أهمية في حل باقي الأزمات. يعتبر المجتمع السوري مجتمعاً معقد البنية الهوياتية دينياً مذهبياً وأقوامياً، بل ويمكن أن يمتد إلى الهويات الثقافية أيضاً. هذا التنوع الذي كان يُفتَرض به أن يكون مصدر غنى حقيقي للثقافة السياسية السورية. عوضاً عن ذلك تحول إلى إشكالية مركبة ومتراكمة طيلة عقود تاريخنا المعاصر، وهي إشكالية نراها "معنّدة" ومتوارّثة، بمعنى أنّها منذ أن نشأت ما تزال متفاعلة حتى تاريخ اللحظة هذه. فهي إشكالية تتعلّق بالدولة السورية، وبالتعدّد الإثني، وبصناعة المواطنة، وبالبحث عن عقد اجتماعي يعيد للمجتمع ارتباطاته ببعضه البعض. وهي إشكالية تضاعفت مع هيمنة التسلطية (أي نتيجة أدوار السلطة الاستبدادية)، وما تزال مرتبطة بإشكاليات أيديولوجية سابقة ولاحقة، لتبقى بحاجة إلى برنامج حلٍّ تشاركي حكومي ونخبوي واجتماعي، لتشكيل عقد اجتماعي يراعي تطلعات التنوّع الثقافي السوري. طبياً، الإقرار بالمشكلة وتوصيفها ومعرفة التاريخ المرضي، هي بداية مهمة في مسار العلاج، وهي مسؤوليتنا المشتركة في توصيف هذه المشكلة أولاً. من هنا، أطرح دائماً، فكرة الأسئلة الثلاثة تمهيداً لحلها: من نحن؟ ولماذا علينا أن نعيش في ذات الكيان الجغرافي؟ وكيف لنا أن نفعل ذلك؟ وهي أسئلة تأسيسية تحيلنا إلى الإقرار بالوجود المشترك المتساوي لكل مكونات المجتمع السوري أفراداً وجماعات. ثم البحث في رابط هذا الوجود، وهو الرابط السوري الحديث، الذي يخرجنا من أزمة وجودنا التاريخي والإثني، ويحيلنا إلى مواطنين ذوي ثقافة عليا مشتركة، ومصالح لا تتم إلا بالتشارك فيما بيننا. هذان السؤالان يؤسسان لانتقالنا جميعاً نحو البحث في بناء عقد اجتماعي يضمن لنا السؤالين السابقين، ويؤسس لنا مستقبلنا المنشود. والمقصود بذلك، أن علينا الإقرار بجملة من الاشتراطات الأولية التي نحمل مسؤوليتها، والتي تنتج مواطناً سورياً مسؤولاً من جهة، وعقلانياً من جهة ثانية. عبر التوزيع المتساوي: - للحقوق والحريات الأساسية، وأبرزها: حريات التعبير والاعتقاد والمشاركة السياسية. - وللفرص المتكافئة في المناصب والوظائف والتعليم. - والمساواة في فرص تحقيق الدخل والثروة. - والمساواة في السلطات والصلاحيات، من خلال إحداث قدر متساوٍ من التأثير والمشاركة في الحياة السياسية، وهو ما سنُعبِّر عنه بالديموقراطية. - ومن ثم توفير الأسس المتساوية لاحترام الذات، بأن يشعر كل سوري منا أن له ذات القيمة والكرامة المعترف بها. وهذا يتطلب اشتراطاً آخر، يتمثل في قيام مؤسسات الدولة على مسافة واحدة من كل الأفراد والجماعات، حتى نضمن أن تكون المساواة حقيقية فيما بيننا. وهي المساواة في القيمة والكرامة والحرية والتأثير السياسي. وهذا يحيلنا إلى اشتراط إضافي، يتمثل في حضور البعد الاجتماعي في كل هذه الاشتراطات، أي العدالة بكل أشكالها. تتأسس هذه الاشتراطات في عقد اجتماعي ننتجه جميعاً، يُعبَّر عنه في دستور ونظام اقتصادي ونظام سياسي، ونظام حزبي وانتخابي يضمن استمرار هذه الاشتراطات. تقود هذه الاشتراطات، إلى الانتقال من الاحتماء بالجماعة إلى الثقة بالدولة والمواطنة السورية كهوية جامعة مقبولة ومتفق عليها وضامنة لحقوق الأفراد والجماعات، وفي ذات الوقت يضمن للجماعة خصوصيتها باعتبارها مكوناً لهذه الهوية الأعلى. حيث أن البحث في هوية دون الهوية الوطنية، كان جزءاً من آليات الحماية التي لجأ إليها الكثير في ظل الاستبداد والثورة والحرب، فإن استمرارها اليوم لا يمكن أن يكون مقبولاً بهذا الشكل. ولكل ثقافة، رغم ما تشمله من غنى وتنوع، إطاراً عاماً يضمها جميعاً، ونحن هنا نقصد الإطار الإسلامي باعتباره إطاراً ثقافياً حضارياً تاريخياً لا إطاراً دينياً إقصائياً للتعديد الديني في بلادنا. والإطار العربي باعتبارها وعاءً لغوياً سياسياً حضارياً، لا لغة إقصائية للتعدد اللغوي في بلادنا. إن الوصول إلى هذا الهدف الأسمى، لن يكون في متناولنا تلقائياً، بل سيكون نتيجة إيماننا جميعاً به، واشتغالنا الحثيث على إنتاجه، بما يتفق مع خصوصيتنا السورية من جهة، ومع إدراكنا لضرورة انخراطنا الحضاري العالمي. وهنا نعتقد أن ذلك ممكن في ظل ثلاث أدوات رئيسة: الأولى هي الديموقراطية، ولا نقصد بها الديموقراطية التنافسية المعهودة في الدول الديموقراطية المستقرة، بل مع مراعاة الخصوصية السورية التي قد تحيلنا إلى أشكال أكثر مناسبة لنا، ومنها التداولية مثلاً، لكننا نحتاج إلى تقديم تدريجي لها عبر انتقال ديموقراطي، حيث أنها السبيل للمساواة السياسية بيننا كمواطنين سوريين من جهة، وتجعلنا مسؤولين ومراقِبين لمستقبلنا المشترك من جهة ثانية. وثانيها العدالة، والتي تحيلنا إلى أمرين بالغي الأهمية، فمن خلال العدالة الانتقالية الحقيقية نكون قادرين على تجاوز آلام الماضي والخروج من المظلوميات العديدة والقدرة على التسامح والمشاركة في إنتاج المستقبل. ومن خلال العدالة الاجتماعية نضمن ارتقاء كل المواطنين وقدرتهم على المشاركة المسؤولة. وثالثها، اللامركزية، وقد يختلف الفهم أو التصور لها، لكننا نقصد مراعاة الثقافات الفرعية والمجتمعات المحلية، وإعطاءها الفرصة الحقيقية لإدارة شؤونها بما يضمن استقرار البلاد وفعالية المواطنين ومسؤوليتهم وقدرتهم على صيانة مستقبلنا. في ختام هذه المداخلة، أكرر فكرتي الرئيسة، بأن ما طرحته هي خطوط عامة وإرشادية، كلي أمل أن نتحاور حولها باعتبارنا نخب هذا المجتمع، وأن نجد من خلالها سبيلنا نحو مستقبل مشترك، والاتفاق على قواعد العمل السياسي، وبناء الثقة المشتركة فيما بيننا.

د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تعمد الدول في مرحلة الانتقال الديموقراطي على إطلاق الحياة السياسية، من خلال حراكٍ حزبي ومجتمعي يعزّز من تنظيم قوى المجتمع، ويخلق بيئات سياسية مناسبة للحوار المتبادل، وبما يهدف للوصول إلى عقد اجتماعي تشاركي يضمن بناءً سلمياً لمستقبل للدولة. وخصوصاً أن ما يجري في المراحل الانتقالية يُعتبر مؤشراً لما سيجري بعدها، وهو ما تحتاجه سورية في هذه المرحلة من تاريخها، رغم جملة من التحديات التي تواجه هذه العملية. إذ شهدت سورية منذ الوحدة مع مصر عملية تجريف للحياة السياسية بشكل كامل. ورغم محاولات العودة المتكرّرة التي حصلت بعد الانفصال، لكن هيمنة البعث والنزاعات التي حصلت في داخله أولاً، واستبداديته لاحقاً، قضت على أية إمكانية للعمل السياسي في سورية، بعد أن كانت من أكثر الدول العربية نشاطاً سياسياً منذ مطلع القرن العشرين. وقد أثّر ذلك في مسار إدارة المصالح المتباينة في سورية، لينقلها من حالتها السلمية المعتادة إلى حالة المواجهة المباشرة بالغة العنف في مراتٍ عدّة أبرزها في ثمانينات القرن العشرين ثم إبان الثورة السورية بعد عام 2011، مع أشكال متعدّدة من العنف السلطوي منخفض الحدّة (ملاحقة حراك ربيع دمشق، اعتقالات سياسية متفرقة، مواجهات 2003، قمع حراك 2004). لذا، يُشكّل سقوط نظام الأسد فرصة تاريخية أو "معجزة" سياسية، تُحتّم علينا استعادة الحياة السياسية السورية، بأدواتها السلمية، والضامنة لمنع عودة أية أشكال استبدادية، ولإدارة مصالحنا وتوجهاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتباينة سلمياً. ونقصد بأنها فرصة تاريخية، بمعنى أنها مَدخَلٌ مهّمُ لتصحيح الانحراف التاريخي الطويل الذي مُنِيت به سورية، وإعادة تأسيس الديموقراطية على ما عرّفها الآباء المؤسسون للدولة السورية، وفي مقدمتها: حرية التعبير والتنظيم والترشيح والانتخاب، وما ينبني عليها من مسؤولية تشاركية بين السلطة والمعارضة والمجتمع المدني والمواطنين، في ضمان هذا المستقبل، عبر إحداث آليات رقابة إيجابية تضمن عدم انحراف السياسات العامة نحو مصالح ضيقة أو استبدادية. وفي هذا السياق، يُعتبر الحزب أداة سياسية ضرورية في الدولة الحديثة لإدارة النزاعات وتناقضات المصالح سلمياً، فهو البديل الحقيقي عن العنف السلطوي أو العنف المجتمعي، أي أنه البيئة الأكثر مناسبة لقيادة عمليات التفاوض والتساوم والتحالف السياسي بين النخب (وهذه هي السياسة في أحد معانيها)، بما يضمن مصالح الجميع، بشكل سلمي. وهو أداة النخبة في التعبير عن مصالح الفئات الاجتماعية التي تمثلها، أي أن العمليات التفاوضية التي تجريها الأحزاب، إنما تجريها بالنيابة عن المجتمع ككل، لضمان مصالحه. وبالأساس، لا يمكن إحداث انتقال ديموقراطي حقيقي دون هذه المساواة أو التسويات النخبوية التي تقرر شكل الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي وهويتها وآليات إدارتها، بشكل يضمن ضمان استمرارية هذه المخرجات وعدم تهديم هذا البنيان كلما وصلت قوى جديدة للسلطة. وبمناسبة ذلك، فإن للحزب وظائف كثيرة تساعد في الاستقرار السياسي وإحداث الانتقال الديموقراطي، فالحزب أولاً، هو بوابة للمشاركة السياسية. وحيث أننا في سورية، دولة خارجة من نزاع مسلح وعقود من الاستبداد، فإننا بحاجة ماسة إلى إطلاق مسار تنمية سياسية شاملة، لكنه سيواجه أزمات عديدة، من أبرزها أزمة المشاركة السياسية، في مجتمع بالغ التسيس وخصوصاً في العقدين الماضيين، وحيث أن السلطة وحدها غير قادرة على استيعاب مشاركة كل الأطياف السياسية داخلها، فإن الأحزاب تتيح مجالات أوسع بكثير لإطلاق هذه المشاركة. وما يدفع الأفراد المسيسين لهذه المشاركة الحزبية ثانياً، أن الحزب إنما هو البيئة التنظيمية التي تجمع مصالح المواطنين (أو فئات منهم)، وتعيد صياغتها، وتعبر عنها. كما يمثل الحزب القناة الرسمية المنظمة للتواصل مع السلطة والتفاوض معها حول هذه المصالح، والدفاع عنها. وللحزب أيضاً أدوار مهمة في التنشئة السياسية ثالثاً، أي نشر الوعي السياسي، عبر التنظيم والندوات والحوارات والتثقيف. وهذه بعض من أهم وظائف الحزب الواسعة. لا يعني ذلك أن التجربة الحزبية السورية ستكون سهلة في المرحلة القادمة، أو مستقرة كما في الدول ذات الديموقراطيات المترسخة. فهناك الكثير من التحديات التي تفرض ذاتها علينا في عملية إطلاق الحياة السياسية والحزبية، من أبرزها قيود إجرائية تتمثل في غياب نظام حزبي (قوانين تسجيل الأحزاب، وتمويلها)، وبالتالي غياب نظام انتخابي، وهما نظامان متصلان، يحدّد شكلهما مستقبل الحياة الحزبية والسياسية في سورية. إلى جانب قيود بنيوية وسياسية متمثلة في ضعف مؤسسات الدولة وعدم حيادها وسيطرة البيروقراطية عليها، بل وهيمنة السطلة التنفيذية في المرحلة الانتقالية على العملية السياسية، وضعف البنية التحتية الحزبية. ويضاف إلى ذلك ثالثاً قيود ثقافية وهوياتية تتمثل في ضعف الثقافة التنظيمية والحزبية لفئات واسعة من المجتمع السوري، وحضور الإرث الثقافي السلطوي في كثير من الأحيان، إلى جانب ما ورثناه من انقسامات طائفية وعرقية ما تزال تتحكم في المشهد الهوياتي السوري. تعتبر هذه التحديات نتيجة حتمية لدولة شهدت عقوداً طويلة من الاستبداد انتهت بعد ثورة مسلحة تدخلت فيها قوى داخلية وخارجية عديدة. وهذا يعني أن العبء أكبر على النخب السياسية وعلى السطلة الانتقالية في الدفع معاً نحو التأسيس لحياة سياسية سلمية ومستقرة، وذلك على قاعدة تأسيسية بالغة الأهمية: وهي أن الخراب الحاصل في سورية (على كافة الصعد) لا يمكن لجهة منفردة إدارته، بل هو خراب تاريخي يحتاج إلى كتلة وطنية تاريخية قادرة على التآلف فيما بينها للخروج منه. وما غياب هذا العمل، إلا نذير خطر يتهدد مستقبلنا السياسي، دافعاً هذا المستقبل نحو خيارات متطرفة بالكاد تجاوزناها سواءً كانت العودة إلى إدارة مصالحها المتنوعة داخل المجتمع عنفياً، أو أن يكون هذا الغياب فراغاً تملؤه قوى تسلطية تعيد إنتاج الاستبداد السياسي مرة أخرى. لذا، هي مسؤولية كل النخب السورية –الحكومية وغير الحكومية– بكل تكويناتها السياسية والهوياتية، أن تعمل على إنتاج حياة سياسية متنوعة وتشاركية وسلمية، تضمن استعادة سورية لنهضتها، وتؤسس لمسار ديموقراطي حقيقي. منشور في مجلة الوعي السوري الصادرة عن الحركة الوطنية السورية في عددها 40، أيار/مايو 2026، ص 18-21

جون هيغلي (جامعة تكساس/هيوستن)، وميشيل بورتون (كلية لويولا/ميرلاند) ترجمة: عبد القادر نعناع (جامعة الشام العالمية/حلب) ملخص البحث تعتمد النظم الديمقراطية المستقرة اعتمادًا كبيرًا على ما يُسمّى بـ "الوحدة التوافقية" للنخب الوطنية. فطالما ظلت النخب منقسمة، تبقى النظم السياسية غير مستقرة، وهي حالة تجعل من التحولات الديمقراطية والانهيارات الديمقراطية مجرد تذبذبات مؤقتة في الأشكال التي تتخذها النظم غير المستقرة. ويبدو أن الانقسام هو الحالة العامة السائدة بين النخب الوطنية، كما يميل هذا الانقسام بقوة إلى الاستمرار بغضّ النظر عن التطور الاجتماعي-الاقتصادي أو غيره من التغيرات التي تطرأ على جماهير السكان. أما النخب المتوافقة والمتحدة، الضرورية لقيام ديمقراطيات مستقرة، فلا تتشكل إلا بطرق محدودة، من أهمها طريقتان تنطويان على تحولات نخبويّة مميّزة. بعد توضيح هذا الطرح، سنفحص العلاقة بين النخب والأنظمة السياسية في دول الغرب منذ بدء عملية تماسكها بعد عام 1500. ونُبيّن أن مقاربتنا تقدّم تفسيرًا منطقيًا ومتماسكًا للسجل السياسي الغربي، وتسهم بدرجة كبيرة في توضيح آفاق قيام ديمقراطيات مستقرة في المجتمعات النامية اليوم، كما تجعل التحليل متزايد التركيز على النخب في دراسة التحولات والانهيارات الديمقراطية أكثر منهجية وانتظامًا. للعودة إلى النص الأصلي: John Higley and Michael G. Burton, “The Elite Variable in Democratic Transitions and Breakdowns,” American Sociological Review, Vol. 54, No. 1 (February 1989), pp. 17–32. لتنزيل الدراسة

مصطفى العلي ود. عبد القادر نعناع تشكل هذه الدراسة المحكمة بحثاً أكاديمياً قدمه مصطفى العلي تحت إشراف د. عبد القادر نعناع، لاستكمال متطلبات مناقشة رسالة الماجستير. وقد نشر هذا البحث في مجلة جامعة الزيتونة الدولية في عددها 42، المجلد الثاني، بتاريخ كانون الثاني/يناير 2026. شهدت الحروب في التاريخ المعاصر تحوّلاً نوعيّاً في طبيعتها وأدواتها، حيث تراجعت أنماط المواجهة التقليديّة المباشرة بين الجيوش النظاميّة لصالح أنماط غير تقليديّة من الصراعات، وعلى رأسها الحروب بالوكالة. وقد ارتبط هذا التحول بارتفاع الكلفة المادية والبشرية للحروب التقليديّة، وبالقيود القانونيّة والسياسيّة التي تحدّ من قدرة الدول على الانخراط المباشر في النزاعات، مما دفع العديد من الفاعلين الدوليين إلى البحث عن أدوات بديلة لتحقيق أهدافهم الاستراتيجيّة. في هذا الإطار، برزت الحرب بالوكالة كآلية فعّالة لإدارة النزاعات دون تحمّل تبعات التدخّل المباشر. فهي تمنح القوى الإقليميّة والدوليّة قدرة على التأثير في مسارات النزاعات الداخليّة من خلال وكلاء محليين كالميليشيات، ما يتيح تحقيق المكاسب بأقل الخسائر الممكنة. كما تسهم هذه الحروب في إعادة تشكيل توازنات القوى على المستويين الإقليمي والدولي، إذ يتحول النزاع المحلي إلى ساحة لتقاطع المصالح بين أطراف متعددة، وتصبح إدارة الوكلاء أداة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى. وتُعدّ إيران نموذجاً بارزاً في توظيف الحرب بالوكالة كأداة لإعادة صياغة توازن القوى الإقليمي. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، تبنّت طهران استراتيجية تقوم على بناء شبكة من الوكلاء العقائديين والمسلّحين في مناطق عدّة من الشرق الأوسط، بهدف توسيع مجالها الحيوي وتعزيز نفوذها خارج حدودها. وقد تجسّد هذا النهج بأوضح صوره في الحرب السورية منذ عام 2011، حيث رأت إيران في بقاء نظام الأسد ضرورة لحماية مصالحها الإقليمية، فدعمت النظام سياسياً واقتصادياً وعسكرياً عبر وكلائها، وفي مقدمتهم حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية والباكستانية. وبذلك، تحوّلت الساحة السورية إلى ميدان مركزي لإعادة ضبط توازن القوى عبر الوكلاء، بحيث أصبحت إيران فاعلاً حاسماً في توجيه مسار الصراع الإقليمي، مستخدمة أدوات غير مباشرة لإدامة نفوذها وتثبيت حضورها الاستراتيجي. للاطلاع على البحث، على الرابط التالي

مراجعة/ نور عباس يمثل كتاب "الاجتياح الفارسي للعالم العربي: دراسات في التدخلات الإيرانية في العالم العربي بعد عام 2011" للدكتور عبد القادر نعناع محاولة جادة لفهم التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة العربية في العقد الأخير، من زاوية الدور الإيراني المتنامي، إذ لا يقتصر الكتاب على توصيف التدخلات الإيرانية في الدول العربية، بل يسعى إلى تحليل محددات السياسة الخارجية الإيرانية، ورصد أدواتها، وقراءة انعكاساتها على الأمن القومي العربي وعلى التوازنات الإقليمية والدولية. تأتي أهمية هذا العمل من كونه يتناول مرحلة مفصلية في التاريخ العربي الحديث، حيث تزامن اندلاع الثورات العربية مع صعود المشروع الإيراني إلى ذروة نفوذه، مستفيدًا من انهيار بعض الدول، ومن هشاشة أخرى، ومن فراغ استراتيجي تركته القوى الدولية. بهذا المعنى، يشكّل الكتاب مرجعًا لفهم كيف تحوّلت إيران من لاعب إقليمي محدود التأثير إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المشرق والخليج واليمن، بل ومحاولة مدّ نفوذها إلى شمال أفريقيا. محددات السياسة الخارجية الإيرانية يبدأ المؤلف بتفكيك البنية النظرية التي تحكم السياسة الخارجية الإيرانية، موضحًا أن هذه السياسة ليست مجرد رد فعل على الأحداث، بل هي مشروع استراتيجي طويل الأمد يقوم على مزيج من الأيديولوجيا والمصلحة. فالعوامل الداخلية، مثل طبيعة النظام السياسي القائم على ولاية الفقيه، ودور الحرس الثوري كفاعل عسكري واقتصادي، والاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية، كلها تشكّل قاعدة صلبة لصناعة القرار. أما العوامل الخارجية فتتمثل في البيئة الإقليمية والدولية، حيث تنظر إيران إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لمجالها الحيوي، وتسعى إلى موازنة نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. كما يولي المؤلف اهتمامًا خاصًا للمحددات الدينية والمذهبية التي توظفها إيران كأداة نفوذ، وللمحددات التاريخية والجغرافية التي تجعل من الخليج العربي والعراق وسوريا ساحات مركزية في استراتيجيتها. التدخلات الإيرانية في الساحات العربية ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى دراسة معمقة لكل ساحة عربية على حدة، محللًا طبيعة التدخل الإيراني فيها. ففي العراق، يوضح كيف تحوّل البلد بعد 2003 إلى ساحة نفوذ إيراني مباشر، عبر الميليشيات والأحزاب السياسية والاقتصاد، وصولًا إلى مرحلة ما بعد "داعش" حيث عززت إيران حضورها العسكري والسياسي. أما في سوريا، فيخصص المؤلف فصلين لتطور السياسة الإيرانية قبل 2011 وبعد اندلاع الثورة. يبين كيف تحوّل التدخل من دعم سياسي للنظام إلى تدخل عسكري مباشر عبر الحرس الثوري و"حزب الله"، وكيف أصبح الوجود الإيراني عنصرًا حاسمًا في بقاء النظام السوري. في لبنان، يبرز الكتاب دور "حزب الله" كأداة مركزية للنفوذ الإيراني، وكيف أصبح لبنان قاعدة متقدمة للمشروع الإيراني في المشرق، ليس فقط عسكريًا بل أيضًا سياسيًا واجتماعيًا. وفي اليمن، يناقش صعود الحوثيين والدعم الإيراني لهم، وتحول اليمن إلى ساحة صراع إقليمي بين إيران والسعودية، بما لذلك من انعكاسات على أمن الخليج والممرات البحرية. كما يتناول الكتاب سياسات إيران تجاه دول الخليج العربي، من البحرين والسعودية والكويت والإمارات وقطر وعُمان، مبرزًا أدواتها الناعمة والخشنة في محاولة اختراق هذه الدول. وفي فلسطين، يوضح كيف وظفت إيران القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيتها الإقليمية عبر دعم حركات المقاومة، مقدمة نفسها كحامية للقضية في مواجهة إسرائيل. أما في المغرب العربي، فيعرض محاولات إيران مد نفوذها إلى شمال أفريقيا عبر البعد المذهبي والدبلوماسي، وإن كان ذلك بمدى أضيق مقارنة بالمشرق. البعد الإسرائيلي والدولي يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا لتطور الفكر الإسرائيلي تجاه إيران بعد الاتفاق النووي عام 2015 وبعد الثورات العربية. يوضح كيف رأت إسرائيل في إيران تهديدًا استراتيجيًا وجوديًا، وكيف انعكس ذلك على سياساتها الأمنية والعسكرية، وعلى تحالفاتها الإقليمية. كما يناقش التوازنات الدولية، من الموقف الأمريكي الساعي إلى احتواء إيران عبر العقوبات والضغوط، إلى الدور الروسي الذي استفاد من التحالف مع طهران في سوريا لتعزيز نفوذه في الشرق الأوسط. لماذا من الضروري قراءة الكتاب؟ تكتسب قراءة كتاب "الاجتياح الفارسي للعالم العربي: دراسات عن التدخلات الإيرانية في العالم العربي بعد عام 2011" أهمية مضاعفة في السياق السوري الراهن، لأن سوريا تمثل إحدى الساحات المركزية التي تناولها المؤلف بعمق، ولأنها تشكّل النموذج الأوضح لتجسيد الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة. أول ما يجعل الكتاب ضروريًا في الحالة السورية هو أنه يقدّم إطارًا تحليليًا لفهم طبيعة التدخل الإيراني في سوريا منذ عام 2011. فلم تكن التجربة السورية مجرد دعم سياسي أو دبلوماسي من طهران للنظام، بل تحوّلت إلى تدخل عسكري مباشر عبر الحرس الثوري و"حزب الله"، وإلى حضور اقتصادي واجتماعي وثقافي متنامٍ. أي تساعد قراءة الكتاب في إدراك أن هذا التدخل لم يكن طارئًا، بل جزءًا من مشروع استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى جعل سوريا حلقة أساسية في "محور النفوذ الإيراني" الممتد من طهران إلى بيروت. ثانيًا، لأن الكتاب يربط بين المحددات الداخلية للنظام الإيراني وبين سياساته الخارجية، وهو ما يتيح فهم دوافع طهران في سوريا. فالتدخل لم يكن فقط لحماية حليف سياسي، بل أيضًا لحماية مشروع أيديولوجي قائم على توظيف البعد المذهبي، ولتعزيز موقع إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا الربط يساعد السوريين على قراءة ما يجري في بلدهم ضمن سياق أوسع يتجاوز حدود الصراع الداخلي. ثالثًا، لأن الكتاب يضع التدخل الإيراني في سوريا ضمن خريطة التدخلات الإقليمية والدولية، فيوضح كيف تداخل الدور الإيراني مع الدور الروسي، وكيف أثار قلق إسرائيل، وكيف شكّل تحديًا مباشرًا لدول الخليج. هذه القراءة المقارنة تمنح السوريين فهمًا أعمق لموقع بلدهم في قلب صراع إقليمي ودولي معقّد، وتفسر لماذا تحوّلت سوريا إلى ساحة تنافس مفتوح بين قوى متعددة. رابعًا، لأن الكتاب يقدّم بدائل فكرية لفهم المستقبل. فهو يذكّر بأن التدخلات الخارجية، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تستمر دون بيئة داخلية هشّة تسمح بها. ومن هنا، فإن قراءة الكتاب في سوريا تفتح النقاش حول كيفية إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، قادرة على إدارة التنوع المجتمعي، وتحصين البلاد من أن تكون ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين. إن الضرورة الحقيقية لقراءة هذا الكتاب في سوريا تكمن في أنه يوفّر عدسة تحليلية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. فهو يكشف كيف تحوّلت سوريا إلى محور رئيسي في المشروع الإيراني، ويضع هذا التحول في سياق إقليمي ودولي أوسع، ويذكّر بأن أي حل مستقبلي للأزمة السورية لا يمكن أن يتجاهل هذا البعد. بهذا المعنى، يصبح الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل أداة لفهم الذات السورية في زمن التدخلات، ومفتاحًا للتفكير في كيفية استعادة القرار الوطني وبناء عقد اجتماعي جديد. ختامًا، يقدّم كتاب "الاجتياح الفارسي للعالم العربي" للدكتور عبد القادر نعناع قراءة معمّقة وموثقة لمشروع إقليمي بالغ التعقيد، استطاع أن يفرض نفسه على المشهد العربي منذ عام 2011 بوصفه أحد أبرز محددات الصراع والتحولات في المنطقة. ومن خلال الجمع بين التحليل النظري لمحددات السياسة الخارجية الإيرانية والدراسة التطبيقية لتدخلاتها في مختلف الساحات العربية، يضع المؤلف بين يدي القارئ مرجعًا لا غنى عنه لفهم طبيعة هذا المشروع وأبعاده. تكمن قيمة الكتاب في أنه لا يكتفي بتوصيف الوقائع، بل يسعى إلى تفسيرها وربطها بسياقاتها التاريخية والسياسية والفكرية، الأمر الذي يمنحه بعدًا تحليليًا يتجاوز حدود السرد إلى مستوى الاستشراف. وهو بذلك يفتح أمام الباحثين وصنّاع القرار والمثقفين العرب أفقًا لفهم التحديات التي تواجه المنطقة، ويذكّر بأن مواجهة التدخلات الخارجية لا يمكن أن تنجح من دون معالجة مواطن الضعف الداخلية التي تجعل الدول العربية عرضة للاختراق. في السياق السوري على وجه الخصوص، يكتسب الكتاب أهمية مضاعفة، إذ يقدّم إطارًا لفهم كيف تحوّلت سوريا إلى ساحة مركزية في الاستراتيجية الإيرانية، وكيف تداخل هذا الدور مع حسابات القوى الإقليمية والدولية الأخرى. ومن هنا، فإن قراءة هذا العمل لا تمثل مجرد اطلاع على دراسة أكاديمية، بل هي خطوة ضرورية لفهم الذات السورية والعربية في زمن التحولات الكبرى، وللتفكير في سبل استعادة القرار الوطني وبناء عقد اجتماعي جديد قادر على تحصين الدولة والمجتمع. إن هذا الكتاب، بما يحمله من عمق وجرأة وشمولية، يظلّ علامة فارقة في الدراسات العربية المعاصرة حول إيران ودورها في المنطقة، ومرجعًا لا غنى عنه لكل من يسعى إلى قراءة الحاضر بوعي واستشراف المستقبل ببصيرة. نقلاً عن أوسكار نيوز
