د. عبد القادر نعناع

نظام الملالي لم يعد صالحاً لإدارة الدولة الإيرانية (مقابلة)

د. عبد القاد رنعناع • ٢٢ يناير ٢٠٢٣
 أكد د. عبد القادر نعناع، الباحث المتخصص في الشؤون الدولية، رئيس المكتب الاستشاري لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن إيران "دولة مارقة" لأنها تعمل منذ قيام ثورة 1979 ضد ترتيبات دولية احتاجت أربعة قرون حتى تترسخ في المجال الجيوسياسي العالمي، مشيراً إلى أن المشروع الإيراني يقوم على دعاوى تاريخية ومذهبية وقومية، الهدف منها بناء "إمبراطورية فارسية" جديدة.

حاوره: شريف عبد الحميد، رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية

تصنفون إيران في أعمالكم، وأحدثها في المكتب الاستشاري لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، باعتبارها القوة الأكثر خطورة على استقرار وأمن منطقة الشرق الأوسط، ما الذي يجعل إيران تحتل هذه المرتبة؟

يقوم هذا التصنيف على مجموعة معايير، من ضمنها، حجم التدخل العسكري المباشر وغير المباشر، وحجم التهديد الذي تمثله الدولة لجوارها، وحجم السيطرة أو التدخل في عمليات صنع القرار لدى دول الإقليم، وحجم ودور الفاعلين من غير الدولة الذين ترعاهم هذه القوة، ويضاف إلى ذلك بالطبع، الملف النووي، عدا عن تداعي الأوضاع الداخلية فيها. جميع هذه العوامل تعزز فكرة أن إيران دولة مارقة.
هذا التوصيف، ليس مجرد توصيف أمريكي لقوى مناهضة للولايات المتحدة، بل يمكن تفصيله بناء على رفض إيران شكل الدولة-الأمة والترتيبات الدولية المؤسستية الراسخة في النظام الدولي، ومحاولة إعادة منطقة الشرق الأوسط إلى العصر الإمبراطوري السابق للدولة-الأمة.


وماذا يعني ذلك؟

هذا يعني أن إيران تشتغل ليس بالضد من مصالح الولايات المتحدة فحسب، بل بالضد من النظام والترتيبات الدولية التي احتاجت أربعة قرون حتى تترسخ، وهو ما يجعلنا نؤكد على وصفها قوة مارقة.
الإشكال هنا، أن إيران بالفعل هي الأكثر خطورة بين متنافسين متعددين في فراغ استراتيجي يجذبهم، فالمشروع الإيراني يقوم على دعاوى تاريخية وأيديولوجية ومذهبية وقومية، جمعيها تدفع إلى استحضار لحظة تاريخية قصيرة "كانت مجيدة لدى الفرس" قبل عشرات القرون، ومحاولة بناء إمبراطورية فارسية جديدة. هذا ما دفع النظام لإيراني إلى عملية تهديم للمناطق التي امتد إليها النفوذ الإيراني، وهو تهديم يشمل تطهيراً بشرياً قدر الإمكان، وتفريغ المنطقة من أصحابها، لتكون جاهزة لتبيئة المشروع الإيراني. بمعنى آخر، هو نهج مشابه للنهج الإسرائيلي، لكنه على امتداد أكثر اتساعاً منه بكثير.
ما يزيد من خطورة إيران في المنطقة عن سواها، أنه لا يمكن بشكل من الأشكال، فصل إيران عن الإقليم، فهي جزء أصيل منه، تاريخياً وبشرياً ودينياً وحضارياً وعرقياً. هذا يضاعف من خطورتها الإقليمية، حيث يمنحها –بالنسبة لها على الأقل– "شرعية" لعمليات التدخل واسعة النطاق ومتعددة الأدوات.


ذكرتم، مصطلح الفراغ الاستراتيجي الجاذب للقوى المتنافسة، وكنتم قد كتبتم حول ذلك في أكثر من موضع، ماذا تقصدون بهذا الفراغ؟

بداية، نعني به، غياب سلطة ضابطة لمنطقة جغرافية ما (دولة أو إقليم)، هذه السطلة الضابطة إما أن تكون محلية (الحكومة الضابطة للدولة)، أو أن تكون قوى إقليمية أو دولية، واحدة أو أكثر، ضابطة لدولة أو لإقليم. في منطقتنا، ومنذ عام 1991 أي منذ تحرير الكويت والحرب الأهلية في الصومال، بدأنا نشهد بروز هذا الفراغ بشكل تدريجي، وإن لم تكن بدايته ملحوظة، لكنه سيشتد بعد عام 2003 بعد احتلال العراق.
اليوم لدينا مجموعة من الدول العربية (سورية، العراق، ليبيا، الصومال، اليمن، لبنان، والسودان نوعاً ما)، جميعها تشهد فراغاً محلياً، حيث لا تسيطر الحكومات على كامل تلك الدول (تنافس محلي بين قوى سياسية وعسكرية)، إلى جانب غياب قوى خارجية ضابطة.


ما هو دور هذه القوى الخارجية الضابطة بالتحديد؟

وحتى نفهم دور القوى الخارجية الضابطة، يمكن استخدام أفغانستان مثالاً على ذلك، ففي حين لم تكن هناك حكومة واحدة قادرة على إدارة الدولة منذ تحريرها من الاتحاد السوفييتي، إلا أنها منذ 2001 كانت تحت ضبط أمريكي (أي فراغ مملوء بالقوة الأمريكية وحدها، ما يعني انعدام الفراغ)، في حين أنه في منطقتنا لا يمكن رصد مثل هذا الضبط، بل هي عملية تنافس بين قوى إقليمية (إيران، تركيا، إسرائيل، السعودية، الإمارات، قطر)، وأخرى دولية (الولايات المتحدة وحلفاؤها، روسيا، فيما تحاول الصين الحصول على موطئ قدم)، هذا التنافس يقوم في البيئات المنهارة/الفاشلة في العالم العربي، والتي للأسف تتسع شيئاً فشيئاً منذ عام 2011.
في هذا الفراغ غير المضبوط، نرى أن إيران هي الأكثر امتداداً من سواها، والأكثر عنفاً أيضاً، ما جعلها حاضرة عسكرياً (بشكل مباشر أو غير مباشر)، في العراق وسورية ولبنان واليمن وقطاع غزة، وحاضرة سياسياً وأيديولوجياً في أبعد من ذلك.


كيف تسنى لإيران الحصول على هذا المكانة الخطيرة في الشرق الأوسط، وما هي أبرز محددات سلوكها الإقليمي المهدِّد لاستقرار الإقليم؟

إيران كانت إلى جنب العراق، تحت ضبط أمريكي ضمن سياسة الاحتواء المزدوج منذ 1994، لكن احتلال العراق، فتح المجال واسعاً أمام إيران للعمل ضمن البيئات العربية. هنا يمكن أن نرصد بداية تبلور ما يمكن تسميته "الجرأة الاستراتيجية"، أي أن إيران لم تنتظر قيام ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، بل سارعت إلى استغلال الفوضى والفراغ الذي حصل لتملئه بمصالحها "المبادأة الاستراتيجية"، ولتحوز على حصة من هذا الفراغ، ثم لتفاوض القوى الأخرى، ومن ضمنها الولايات المتحدة، على الترتيبات الأمنية الإقليمية.
يمكن تسمية هذا النهج بنهج "تحمل المخاطر Risk-taking"، أي أن إيران كانت تدرك مبكراً أن هناك مكاسب كبيرة في التدخلات الإقليمية، لكنها مكاسب محفوفة بتهديدات خطيرة، ورغم ذلك، فضلت أن تمضي قدماً، على خلاف القوى الإقليمية الأخرى، التي كانت تحت تأثير الصدمة من جهة، وبانتظار الحصول على تسويات إقليمية جديدة من جهة ثانية.
لكن، لم يكن لإيران أن تمضي في هذه النهج، لولا امتلاكها سلة أدوات مضبوطة، بداية من بناء الأحلاف أو الوكلاء في المنطقة، وأبرزها:
  • الميليشيات "الشيعية" العابرة للحدود، التي وجدت في إيران راعياً سياسياً وعسكرياً وأيديولوجياً لها (ارتباط عضوي أصيل).
  • الجماعات الإسلامية "السنية" الأيديولوجية (مثل القاعدة والإخوان وسواهم)، أصحاب نظرية "الإسلام القومي"، والتي وجدت في إيران شريكاً لها (ارتباط أممي).
  • جماعات براغماتية (أنظمة سياسية ونخب محلية عربية)، وجدت في إيران ضامناً لمصالحها الضيقة (ارتباط براغماتي).
  • وربما جماعات انفصالية، وجدت في المشروع الإيراني سبيلاً للاستحواذ على بيئاتها الجغرافية، وإن لم تتشارك مع إيران في مشروعها (ارتباط تفكيكي).
وبناء عليه، نلحظ أن لدى إيران، خطة عمل، وقاعدة تاريخية وأيديولوجية تحرك مشروعها، وأدوات عسكرية وسياسية مضبوطة، ومساعدات مالية وعسكرية غير منقطعة لوكلائها، وتحمل الأضرار الناتجة عن التنافس الإقليمي (التي جعلت إيران واحدة من أكثر دول العالم عزلة عن البيئة الخارجية وباقتصاد منهار). هذه النهج المتكاملة، غير متوافرة لدى منافسيها في الإقليم، حتى لدى الأمريكيين.


هل تعتقدون أن الأمريكيين، أو إدارة أوباما كما يشاع، كانت وراء دفع إيران إلى الوصول إلى هذه المكانة الإقليمية؟ وإن لم تكن، لِمَ لَمْ تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً ضد إيران؟

يتم تحميل إدارة أوباما كثيراً من اللوم حول صعود المشروع الإيراني، بعض هذا اللوم حقيقي، وبعضه مجرد محاولات تعمية. فالمشروع الإيراني كما ذكرنا، بدأ على الأرض مع حزب الله منذ الثمانينيات، وانطلق بعد احتلال العراق في عهد بوش الابن. ما طرحه أوباما، كان قائماً على فكرة أن إيران أصبحت جزءاً من الفاعلين الرئيسين في المنطقة (أو الفاعل الأكثر نشاطاً)، وأن على دول الإقليم تقبل ذلك، والعمل مع إيران والولايات المتحدة لصوغ سياسات إقليمية جديدة تراعي هذه المتغيرات وهو ما لم تقبله الدول العربية الفاعلة آنذاك (الخليجية). وبناء عليه، جاء المشروع الأمريكي في التوصل إلى الاتفاق النووي، ورغم كل مثالبه، إلا أنه على الأقل وضع المشروع النووي الإيراني تحت رقابة دولية، قبل أن يعود ترامب عن الاتفاق، ويتيح لإيران إعادة تفعيل نشاطها النووي.


فلماذا لم تتدخل إدارة ترامب عسكرياً ضد إيران؟

كثيراً ما يطرح في العالم العربي، فكرة أن الولايات المتحدة لم تواجه إيران عسكرياً (ضمن نظرية المؤامرة)، أو أنها تخلت عن حلفائها. ربما لم تقدم الولايات المتحدة لحلفائها العرب، المساعدة اللازمة لذلك، لكن ينبغي أن ندرك أنه لا مصلحة أمريكية في إشعال حرب في الشرق الأوسط مع إيران، لا يُعلَم حدودها، في وقت يشهد النظام الدولي مرحلة سيولة عالية، ومرحلة انتقالية ما تزال قيد التبلور. أي أن الولايات المتحدة (ومنذ مطلع العقد الماضي)، كانت مشغولة بالصعود الصيني، ثم أضيف إليه التحرك الروسي العسكري في الشرق الأوسط وشرق أوروبا. وهي مصالح أكثر أهمية وخطورة للولايات المتحدة من مسألة مواجهة إيران. فهنا الحديث عن النظام الدولي "الأمريكي"، وليس مجرد مصالح إقليمية بالغة التكلفة.
نعم، كان يفترض بإدارة ترامب، الدفع نحو عمل عسكري ولو محدود رداً على استهداف حقول أبقيق 2019، وخصوصاً أن ترامب كان على علاقة وطيدة بالحكومات الخليجية، وكان يمكن اتخاذ مثل هذا الإجراء تحت حملته "الضغط الأقصى"، لكنه لم يكن مستعداً لتحمل تداعيات ذلك.
الإشكال الأكثر خطورة، هو ما بعد الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، حيث تتراجع الولايات المتحدة عن حضورها الصلب في المنطقة، وعن مشاركتها في قضايا المنطقة، ما يخلق بالحتمية فراغاً ستسعى القوى الأخرى إلى ملئه، وفي مقدمتها إيران وتركيا وروسيا، على حساب الدول العربية.


ما رأيك بالنهج العربي في مواجهة إيران، هل تعتبر أن هذا النهج قدّم ما يفترض به أن يفعل، أم أنّ هناك أبعد من موضوع الخذلان الأمريكي باتجاه أخلال عديدة في النهج العربي؟

نعم، هو أبعد من موضوع الخذلان، في حال وافقنا –تجاوزاً– على فكرة الخذلان الأمريكي، الإشكال هنا، أن عملية صنع القرار لدى الطرفين مختلفة تماماً، أقصد لدى الفرس ولدى العرب. ففي إيران، هناك قيادة واحدة في مواجهة عدة حكومات عربية متباينة التوجهات والمصالح. هذه من جهة. عدا عن أن نهج إيران عدواني استباقي، وكما أسميناه "جرأة أو مبادأة استراتيجية"، أي أنه نهج فعل "act"، فيما كان النهج العربي موزعاً بين نهج رد الفعل "react" والنهج السلمي الدافع نحو استاتيك المنطقة، أي المحافظة على الأوضاع القائمة دون تغيير، وفي حال وقوع خلل فيها، فإن النهج العربي يسعى إلى استعادة الضبط السابق، وفي أحسن الأحوال يكون سعياً نحو خلق استاتيك جديد.
الإشكال إذاً يتعلق بمفهوم الأمن الإقليمي، ولن أقول الأمن العربي أو القومي، لأنه هذا المفهوم أصبح غير واقعي ولم يعد بالإمكان الخوض فيه. نحن اليوم بحاجة إلى توافق إقليمي جديد، حول مفهوم الأمن، ومحددات التهديد فيه، وآليات الاستقرار.
إشكال آخر في النهج العربي، أن مشروع إيران يجري على أرض عربية، فيما رد الفعل العربي منحصر في الأرض العربية (دفاع)، وعليه من الطبيعي أن نرى أن الخراب الأكبر يقع في البيئات العربية، ومن ثم يمتد إلى بيئات عربية جديد. وهنا يبرز ما تسميه إيران "الصبر الاستراتيجي Strategic Patience"، حيث أنها غير معنية بمجرد الحصول على مكاسب آنية، بقدر ما هو مشروع بعيد المدى، قد يمتد لعقود لاحقة.
عدا عن أن هناك دولاً عربية لا ترى في إيران أية خطورة على استقرار الإقليم، بل على العكس، تقدم لإيران تسهيلات جمة. فيما تُضيّق دول عربية أخرى مفهوم الأمن الوطني أو الإقليمي حتى لا يشمل الدول العربية الواقعة تحت النفوذ الإيراني، وبالتالي يكون بإمكانها التقليل من شأن هذا التهديد الإيراني.
أستاذنا الطيب تيزيني –رحمه الله– كان صاحب جدلية مهمة بهذا الخصوص، تقوم على فكرة أنه "ليس لخارج ما أن يتدخل في داخل ما إلا من خلال أقنيته"، أي أن إيران، وسواها، تستفيد من الخراب الواقع في البيئات العربية، لترسيخ مشروعها أكثر فأكثر.
إشكال آخر يمكن إضافته هنا، وهو أن وكلاء إيران المذكورين سابقاً، يعملون ضمن نهج أيديولوجي واضح ومضبوط وبعيد المدى، والعلاقة بينهم وبين إيران موثوقة، ويدرك هؤلاء الوكلاء أن إيران لن تتخلى عنهم. في المقابل، نفتقد في المشهد العربي لمثل هذه العلاقة بين القوى العربية الحالية وبين وكلائها، بل بعضها لم يمتلك وكلاء حتى.


هل لك بتوضيح فكرة الأدوات أو الوكلاء هذه، وهل تقصد أن على الدول العربية أن تواجه إيران داخل إيران، ومن هي الدول العربية المؤهلة لذلك بالأساس؟

أولاً أنا أتحدث عن القوى العربية الفاعلة، لدينا دائماً قوى عربية تتصدر المشهد العربي، حيث انتقلنا من تصدر الرباعي مصر والعراق وسورية والسعودية، إلى تصدر السعودية والإمارات بدرجة أولى، مع احتفاظ مصر بمكانة إقليمية لا يمكن تجاهلها. هناك قوى فاعلة أصغر، هي أقرب إلى إيران منها إلى الأمن الإقليمي (نقصد قطر بالطبع).
أما موضوع الأدوات، فلا يمكن مواجهة ميليشيا مثل ميليشيا الحوثي عبر طائرات F-16، ولا يمكن استخدام أدوات إيران نفسها لمحاربة إيران (الأنظمة والنخب العربية الموالية لإيران)، عدا عن إشكالية الموثوقية. السعودية خلقت حلفاء أو وكلاء في المنقطة ثم تخلت عنهم، ما خلق فراغاً إضافياً في الفراغ الأساسي، سارعت تركيا لملئه مباشرة. عدا عن أن هؤلاء الوكلاء لم تتم إدارتهم عبر نهج إقليمي متكامل يهدف إلى مواجهة إيران من جهة، واستعادة ضبط المنطقة مر أخرى، بل كان في كثير منه رد فعل على وجود إيران، كان أقرب إلى عملية استنزاف مالي، هذا النهج يخلق مرتزقة وليس وكلاء.
النقطة الثالثة، نعم لا يمكن الاكتفاء بمواجهة إيران في العراق وسورية واليمن وسواها، إن لم يتم نقل الصراع إلى داخل إيران، وعبر وكلاء محليين في إيران، فإن الخاسر الحقيقي سيبقى الطرف العربي، فيما تتسع رقعة الخراب التي تغذيها إيران.
إيران إلى الآن لم تتضرر سوى اقتصادياً، مع أضرار بشرية عسكرية محدودة للغاية، حيث أن تكلفة العمل العسكري الإيراني منخفضة للغاية (عناصر شيعية أو تم تشيعيها، أيديولوجيا، سلاح خفيف، دعم دائم). هذه التكلفة المخفضة كانت مكاسبها كبيرة (إدارة دول، تهجير ملايين السكان، قتل مئات آلاف العرب إن لم يكن ملايين العرب، تدمير بنى تحتية، تعطيل المستقبل المنظور والمتوسط للدول المستهدفة).


إذاً أنت ترى أن عملية التشييع (التبشير المذهبي)، هي أكبر من قضية دينية، أي أنها ذات بعد عسكري؟

بالتأكيد ذلك، نظام الملالي لم ولن يختلف عن أي نظام فارسي آخر في عدائه للعرب ومشروعه المستهدِف للعرب، ربما ما يميز نظام الملالي، هو استخدام الدين ومزجه بالقومية، لذا تقاطع مع الحركات الجهادية والإرهابية التي تنتمي إلى نفس المدرسة (الإسلام القومي). وهو يدرك أنه غير قادر على مواجهة دول المنطقة بشكل مباشر، وخصوصاً بعد تجربته مع العراق في حرب السنوات الثمان، وبعد أن رأى مصير العراق بعد اجتياح الكويت. لذا إيران عمدت بشكل أساسي إلى التدخل العسكري غير المباشر (عبر الوكلاء).
هؤلاء الوكلاء على أنواع كما ذكرنا، الشيعة منه، إما أنهم جزء أصيل من المشروع (حزب الله مثلاً)، أو مجرد مرتزقة شيعة (عناصر الميليشيات المتفرقة)، ومنهم متشيعون جدد لأسباب مادية أو عقائدية أو سواها، يتم ضخهم بعد أدلجتهم في الماكينة العسكرية الإيرانية وبالتكلفة المنخفضة التي ذكرناها.
لذا نرى نشاطاً إيرانياً تبشيرياً يمتد من أقصى شرق آسيا، إلى إفريقيا جنوب الصحراء، بحثاً عن مقاتلين، تحت شعار "نصرة آل البيت"، لتحويلهم إلى سلع عسكرية، مع رواتب مجزية لهم، ومناصب عسكرية، وخدمات جنسية، بل وتوطين في بعض البيئات المستهدفة (كما يجري في سورية)، إضافة إلى الوعود الإلهية بالجنة. هؤلاء لا يمكن هزيمته بالباتريوت وF-16 والصواريخ بعيدة المدى.


نصل إلى مسألة النووي الإيراني، هل تعتقد أن إيران ستمتلك سلاحاً نووياً، أم أنها مجرد مناورة، وماذا لو امتلكت هذا السلاح فعلاً، ما هو مستقبل المنطقة في ظل قوة نووية إيرانية؟

حملة الضغط الأقصى التي شنها ترامب على إيران، أدت بالمحصلة إلى تخلي الطرفين عن التزاماتهما الدولية، وهو ما ساعد إيران إلى الارتقاء إلى مرتبة "دولة عتبة نووية" مع مستوى تخصيب عند 60%، وهو مستوى قريب للغاية من مستوى الحصول على تقنية السلاح النووي. وتشير التقديرات إلى أنه بإمكان إيران –في حال رغبت بذلك– أن تصل إلى مستوى فوق 90% خلال 3 أسابيع. طبعاً هذا على المستوى التقني، لكن على مستوى تسليح التقنية فهو أعقد من ذلك.
برأيي، رغم كل المناورات الإيرانية، فإن إيران معنية بأمرين حالياً، قبول مكانتها باعتبارها دولة عتبة نووية وعدم تجاوز ذلك، بهدف الانفتاح الدولي ورفع العقوبات. أي ان الملف النووي وسيلة ضغط حتى الآن. لكن في حال لم تُجدِ، فإن إيران أصبحت تمتلك من المعرفة العلمية ما يؤهلها للوصول إلى السلاح النووي في وقت قصير للغاية. ولا أظن أنها ستتخلى عن هذه التقنية، وخصوصاً بعد الدرس الأوكراني والعراقي والليبي.
في حال امتلكت هكذا سلاح، فإنه سيمنح إيران مزيداً من القوة السياسية الإقليمية والدولية، وبالتالي تعزيز مشروعها الإقليمي.


لإيران علاقة إقليمية ودولية مهمة، ما دور هذه العلاقة فيما يجري في المنطقة، وهل تعتقد أنه يمكن لشبكة العلاقات هذه أن تضبط السلوك الإيراني؟

علينا أن نميز بين نوعين من العلاقات الإيرانية، الأولى علاقات تشابك عالية المستوى، وهي مع روسيا وتركيا، حيث تتنافس هذه الدول على إدارة الفراغ شرق الأوسطي. ومنعاً لتصادمها، هي تدير هذه المنافسة عبر القمم الرئاسية المتناوبة فيما بينها. ربما يقع بعض الصدام المسلح على الأرض بين وكلاء كل طرف، لكن هذا لا يعني أن هناك إشكالاً بين هذه الدول، بل على العكس، هي حريصة على الاستفراد بالفراغ شرق الأوسطي، وإبعاد الولايات المتحدة والقوى العربية عنه.
الأخرى، هي علاقات مصلحية واسعة، وأبرزها مع الصين. ولا نعتقد أن الصين أو سواها معني بشكل مباشر بضبط السلوك الإيراني، وخصوصاً في مرحلة السيولة الدولية، فكل قوة كبرى تبحث عن حلفاء لها (دون ضغوط)، وهي بالأساس سمة صينية.
الإشكال هنا، أن بعض القوى العربية، ترى أن التقرب من شبكة علاقات إيران، سيدفع دول هذه الشبكة إلى الضغط على إيران أو تقييد مشروعها أو التخلي عنها، ولا أعتقد أن ذلك وارد.
عوضاً عن ذلك، بإمكان القوى العربية بلورة مشروع حقيقي على الأرض، وجلب دعم دولي له، عوضاً عن الطلب من القوى الدولية مواجهة إيران بالوكالة عنها، فالعلاقات الدولية لا تجري بهذا الشكل.
هناك أيضاً إشكال آخر، هو الاعتقاد أن التحالف مع إسرائيل سيقود إلى مواجهة إيران، إسرائيل نفسها، ورغم كل التصريحات، غير قادرة على مواجهة إيران أو سواها، دون دعم أمريكي مفتوح، أي انخراط أمريكي عسكري مباشر، وهو أمر يفوق قدرة الولايات المتحدة ورغبتها ومصالحها الحالية، أي أن ما تفعله إسرائيل هو محاولة استدراج الولايات المتحدة إلى حرب مفتوحة مع إيران، فيما حدود الفعل الإسرائيلي لا تتجاوز عمليات التخريب والاغتيال والقرصنة، أو مواجهة إيران في الأراضي العربية (كما يحصل في سورية بشكل شبه يومي)، لكن حرباً مع إيران، ستعني بالضرورة انهياراً شرق أوسطي أكثر حدة بكثير مما هو قائم اليوم، لا مكان له في الاستراتيجيات الأمريكية الحالية.


يطول الحديث عن المسألة الإيرانية وتداعيتها الإقليمية، برأيكم، كيف ترون مستقبل الداخل الإيراني في ظل الاضطرابات الأخيرة، وهل تعتقدون أن هناك تغييراً قد يقع في النظام الإيراني، وفي أي اتجاه في حال وقع؟

النظام الإيراني الحالي (الملالي)، لم يعد صالحاً لإدارة الدولة الإيرانية، وشرعيته تتآكل بشكل متسارع، ورغم أنه مهيئ للسقوط، إلا أن ذلك لا يمنع استمراره على هذه الشاكلة لسنوات. بالنسبة لي كمراقب شرق أوسطي، أخشى من الانهيار المفاجئ في دولة بحجم وقوة إيران من جهة، عدا عن عدم ثقتي بأي نظام إيراني لاحق، فالإشكال الذي أراه هو إشكال في العقيدة الفارسية ذاتها، وإلى الآن لم يبدِ منافسو نظام ملالي أية بوادر حقيقية للتخلي عن النهج الامبريالي في العالم العربي، أو تجاوز اللحظة التاريخية التي علِق فيها الفرس قبل 15 قرناً.
في حال حصول تغيير، وهو وراد، أعتقد أن القوى العسكرية ستبقى مصانة وإن تغير ولاؤها، بمعنى أن الحرس الثوري سيحافظ على مسار التغيير، ولن يسمح بتفكيك الدولة، ما لم تظهر متغيرات جديدة. بالأصل، لا يوجد في إيران ولا خارجها معارضة قادرة على مواجهة الحرس الثوري، وإن كانت حظوظ مجاهدي خلق أكثر من سواها من المعارضات الإيرانية، لكن لا أظن أنها ستكون بمعزل عن الحرس الثوري. ما أخشاه، هو وصول جهة معارضة مقبولة غربياً إلى السلطة في طهران، ذات توجه قومي فارسي، تحتفظ بالمشروع الإيراني شرق الأوسطي، وبمعرفة نووية واسعة، وبوكلاء متنوعين، حينها علينا أن نتحضر لموجة جديدة من المد الإيراني في العالم العربي، موجة لا تهدد مصالح الغرب، وتتفق مع إسرائيل.


النص منشور لأول مرة في مجلة شؤون إيرانية، العدد 19، يناير/كانون الثاني 2023.

ومنشور في المكتب الاستشاري لشؤون الشرق الأوسط.
تنزيل المقابلة
بواسطة د. عبد القادر نعناع ١٣ مارس ٢٠٢٥
رغم بعض الجوانب المهمة في الإعلان الدستوري المؤقت، مثل تجريم دعوات الانفصال أو الاستقواء بالخارج أو تشكيل فصائل مسلحة أو تأييد جرائم النظام البائد. إلا أن هذا الإعلان الدستوري أبعد ما يكون عن بناء نظام ديموقراطي. حيث يركز الإعلان السلطة التنفيذية بيد الرئيس (غير المسؤول أمام أحد)، كما يمنحه تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، فيما يمنح صلاحية اختيار الثلثين للجنة يتم تعيينها من قبل الرئيس، ولا يملك المجلس أية صلاحيات رقابية أو حسابية على السلطة التنفيذية، ما يعطي النظام طابعاً استبدادياً. أي أن الرئيس يملك صلاحيات واسعة تشبه تلك التي في الأنظمة السلطوية، وخصوصاً مع محدودية دور البرلمان، والقيود المفروضة على التشريعات وتعيين الأعضاء، كلها تشير إلى ضعف استقلالية البرلمان مقارنة بالديمقراطيات الحقيقية. وفيما تمتلك السلطة القضائية بعض الاستقلالية، لكن هيمنة الرئيس على تعيين القضاة وتشكيل المحاكم وإدارة قضايا الدولة تظل مؤشراً على وجود تأثير قوي للرئيس في السلطة القضائية. بالنظر إلى هذه العناصر، يُمكن وضع هذا الإعلان الدستوري في نقطة أقرب إلى الأنظمة الاستبدادية، وحيث لا يزال هناك بعض التعددية في السلطة في الجوانب الشكلية، مثل وجود برلمان ومحاكم، لكن هذه الهيئات تظل تحت رقابة شديدة من رئيس الجمهورية، مما يشير إلى وجود سلطوية واضحة مع القليل من التوازن الديمقراطي. وطالما أن الشعب لا ينتخب البرلمان، فليس له رقابة على البرلمان أبداً، وطالما أن البرلمان غير منتخب فهذا يبرر أنه لا يراقب الحكومة ولا يحاسبها (مجرد استجواب)، فلا سلطة له على الحكومة. وبالنتيجة لا مكان للشعب في إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية. الخطوة القادمة بالغة الأهمية أيضاً، هي سن القوانين بناء على هذه الدستور، وهذا السن قد يخلق إشكاليات على مستوى فهم النص الدستوري وتفسيره، وخصوصاً في قضايا العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الاقتصاد، وقانون الأحزاب، والمشاركة السياسية، والمساواة في الفرص (هل تعني المساواة في الفرص عدم دستورية الاستئثار البيروقراطي الجاري حالياً)، وهنا نعود إلى فكرة أن المحكمة الدستورية التي عينها الرئيس هي من يقرر أن القوانين التي يقترحها الرئيس أو البرلمان المعين من قبل الرئيس، دستورية أم لا. أما الدعوة لتشكيل لجنة كتابة دستور دائم، فهذه يجب أن تنبع من مؤتمر وطني أكثر شمولاً واختصاصاً بعد إطلاق العملية السياسية، وليس بناء على تعيين أو تشكيل أو تكليف. هذا الإعلان خطوة باتجاه نظام الفرد القائد (الاستبداد)، وابتعاد كبير عن النهج الديموقراطي المنشود. وبالتالي هو إعلان بأن السلطة لن تكون راعية لإطلاق عملية انتقالية، وبالتالي تصبح المهمة مسؤولية النخب والقوى السياسية أن تبدأ في عملية إنشاء قوى وأحزاب وتكتلات سياسية، تطلق مرحلة نضال سياسي جديدة في مواجهة السلطة، بغية إحداث أسس أكثر صلة بالانتقال الديموقراطي، وبغية الاشتغال على مسار تنشئة سياسية مضادة للتنشئة السلطوية الموروثة أو المستجدة. د. عبد القادر نعناع عميد كلية العلوم السياسية بجامعة الزيتونة الدولية
بواسطة د. عبد القادر نعناع ١١ مارس ٢٠٢٥
أستاذ العلاقات الدولية، عبد القادر نعناع، يرى أنه من الطبيعي أن تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى استعادة مكانتها وفعاليتها في العالم العربي، كما أن ذلك يصبّ في صالح الدول العربية. ويقول في حديثه لـ "الترا سوريا": "رغم أن بعض الفتور كان ظاهرًا في الأسابيع الأولى من استلام الشرع بين سوريا ومصر، إلا أن من مصلحة مصر وكل الدول العربية أن تستعيد سوريا مكانتها من جهة، إلى جانب إخراجها من المحور الإيراني وموازنة النفوذ الإقليمي، وحيث إن القضية الفلسطينية تشهد واحدة من أكثر مراحلها خطورة، فإنها تحتاج إلى توافق عربي على آليات المرحلة". ويضيف: "هذا يستوجب الانفتاح على الحكومة السورية بغض النظر عن أية تحفظات لدى بعض الحكومات العربية، وبالنتيجة هو ما يجب أن يكون فعلًا، أي أن تشارك سوريا الجديدة في المحافل الإقليمية والدولية كافة، حتى ترسّخ شرعية التغيير الحاصل". وتعكس دعوة الإدارة السورية الجديدة للقمة رغبة عربية في استقرار سوريا وخروجها من أزمتها الطويلة، وفق ما يؤكد نعناع، لكنه يشير إلى أن هذه الرغبة تترافق بشيء من الترقب العربي والدولي لسلوكيات الحكومة الجديدة، وإن كانت دول مثل قطر والسعودية وتركيا أكثر انفتاحًا، إلا أن الجميع يراقب المشهد السوري ومآلاته. ويرى نعناع أن هناك توافقًا عربيًا حول ضرورة الاستقرار في سوريا وإنهاء الحرب والأزمات، لكن هذا التوافق قد يتردد في مزيد من الانفتاح على الحكومة الحالية مؤقتًا، بانتظار المزيد من السلوكيات المطمئنة. وتشكل عودة سوريا إلى الحاضنة العربية مكسبًا استراتيجيًا لها على عدة أصعدة، وفق ما يوضح أستاذ العلاقات الدولية، عبد القادر نعناع. فمن الناحية الدبلوماسية: "تسهم المشاركة الفعّالة في المنظمات الإقليمية والدولية بتعزيز سياسات سوريا الخارجية وترسيخ شرعية المرحلة الانتقالية، إضافة إلى أن قبول سوريا في محيطها العربي يعزز من مكانتها على الساحة الدولية". واقتصاديًا يمكن أن تحقق فوائد ملموسة، "مثل تعزيز التعاون التجاري، وجذب الاستثمارات المشتركة، والمساهمة في مرحلة إعادة الإعمار والعدالة الانتقالية". ويعدّ بناء كتلة إقليمية ودولية داعمة أمرًا ضروريًا لمواجهة التهديدات الأمنية الإيرانية والميليشياوية والإسرائيلية التي تتعرض لها سوريا، بحسب نعناع، خاصة وأن هذه التهديدات تؤثر في مصالح العديد من الدول العربية. بموازاة ذلك، تمثّل عودة سوريا إلى المنظومة العربية تحوّلًا استراتيجيًا يعزّز من الأمن القومي العربي. ويلفت عبد القادر نعناع إلى أنه "في السنوات الماضية، كانت سوريا منطلقًا للتهديدات الأمنية عبر الميليشيات الإيرانية وتهريب المخدرات ونشاط الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، لذا شهدنا انفتاحًا واضحًا من دول مثل السعودية والأردن ولبنان وقطر، بهدف القضاء على هذه المخاطر". ويؤكد أن عودة سوريا تُعدّ خطوة لتوسيع آفاق التعاون العربي، سواء عبر تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي، أو من خلال دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، ما يسهم في موازنة القوى الإقليمية ضد التأثيرات الخارجية السلبية. يحذر نعناع من أن الطرفين الإيراني والإسرائيلي، يجتمعان اليوم على تغذية الفوضى في المشرق العربي عمومًا وسوريا خصوصًا، في محاولة من كل منهما لتوسيع مناطق نفوذه. ويضيف: "تحاول طهران إحياء مشروعها الذي تعرّض لانكسار بعد أحداث 7 من أكتوبر واغتيال الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله، وهروب بشار الأسد، عبر وكلاء جدد، لكن بذات الآليات السابقة، وهي آليات زرع الفوضى". مداخلة حول: "عودة سوريا إلى الجامعة العربية.. مكاسب استراتيجية مهدَّدة"، ألترا سوريا، 2025/3/11، مع Ninar Khalifa على الرابط التالي: https://ultrasyria.ultrasawt.com/%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%83%D8%A7%D8%B3%D8%A8-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%87%D8%AF%D9%8E%D9%91%D8%AF%D8%A9/%D9%86%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%81%D8%A9/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٢٤ فبراير ٢٠٢٥
لم تكن تصريحات نتنياهو الأخيرة خارج سياق ما يحصل في الشرق الأوسط منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أو في سياق انفجار النزاعات المسلحة في المنطقة. لكن اغتيال قيادات حماس وحزب الله، ثم سقوط نظام الأسد، كان بمثابة سقوط الشرق الأوسط الإيراني، وبالتالي هذا أحدث فراغاً استراتيجياً على مستوى المنطقة، تسارع إسرائيل لتعبئته منذ 8 كانون الأول/ديسمبر، مانعة ظهور قوى إقليمية منافسة جديدة، وهذا ما أسميناه حينها ببداية تبلور شرق أوسط إسرائيلي (تهيمن عليه إسرائيل). يتفق هذا الشكل من الشرق الأوسط، مع الطبيعة العدوانية المتطرفة لنتنياهو ومشروعه التوسعي، ومع وصول أقوى داعميه (ترامب) إلى البيت الأبيض، وفراغٍ متّسع، وضعف دول الجوار، وغياب القوى الموازنة، وانهيار الدولتين السورية واللبنانية. جميع هذه المتغيرات، عززت المطامع الإسرائيلية المستمرة بالتوسع من جديد، وخصوصاً أن إسرائيل لا تؤمن بالحدود الثابتة، وهذا جزء أصيل في مشروعها منذ ما قبل عام 1948. أي إن هناك تهديدات جدية بتوسع المشروع الإسرائيلي أكثر فأكثر في سورية، بما يتجاوز المنطقة العازلة، وربما تكون تهديدات نتنياهو، مؤشراً على مرحلة قادمة لا تمتلك فيها سورية القدرة على المواجهة إطلاقاً (أسوء من مرحلة النكسة عام 1967، حين لم تمتلك سورية مقومات المواجهة)، ونظن أن نتنياهو جاد في استهداف القوات السورية التي قد تشكل عائقاً أمام مطامعه. وحيث أن نتنياهو اعتبر أن القوات السورية هي (هيئة تحرير الشام)، فهو بشكل أو بآخر لم يعترف بعد بالحكومة السورية الجديدة، وما يزال ينظر إلى المجريات باعتبار أن جماعة إسلامية سيطرت على الحكم، محاولاً خلق متغيرات أمنية جديدة عبر استغلال ما تراه إسرائيل "فوضى" سورية. وهناك مساران محتملان للمشهد السوري، إما رغبة نتنياهو الشخصية في توسيع حدود إسرائيل، بشكل حزام أمني أو بشكل دائم، أو أن ما يجري هو نوع من ممارسة الضغوط القصوى بهدف دفع دمشق لمفاوضات سلام مباشرة. بالنتيجة، هذا يتطلب من الحكومة السورية جملة خطوات، تبدأ دبلوماسياً في العواصم الإقليمية والدولية، وتمر عسكرياً، عبر استكمال تحويل الفصائل إلى جيش سوري وطني، وربما عبر اتفاقيات دفاعية وتسليحية وتدريبية هي بأمس الحاجة لها، في ظل توحش إسرائيلي شرق أوسطي، وتنتهي سياسياً على المستوى الداخلي من خلال حكومة تتشارك فيها كل القوى السورية مسؤولية الدفاع عن الدولة. وربما قد يكون الوقت مناسباً لإطلاق مسار مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع تل أبيب. د. عبد القادر نعناع عميد كلية العلوم السياسية – جامعة الزيتونة الدولية
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٨ فبراير ٢٠٢٥
يشهد الشرق الأوسط مرحلة جديدة من اختلال توازن القوى الإقليمي، الذي تتسابق فيه كل من تركيا وإسرائيل لتصحيح هذا الخلل بما يعزز مكانتهما الإقليمية. ربما تكون إسرائيل الأكثر فعالية في ذلك، حيث أنها هي المتسبب الأكبر بهذا الخلل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وخلال عام واحد، استطاعت كسر المحور الإيراني في اثنتين من محطات ارتكازه شرق أوسطياً (لبنان وسورية)، وبالتالي أحدثت فراغاً استراتيجياً غير معتاد، يحتاج إلى كثير جهد لملئه. عموماً، يشهد الشرق الأوسط ما نسميه (التغييرات العَقْدِية: أي أن هناك تغييرات كبيرة كل عقد من الزمن)، وهذه التغييرات تكون بناء على ما سبق وتأسيساً لما سيلي. لكن التغييرات هذه المرة كانت أكبر بكثير، وهي شبيهة بوقع احتلال العراق. وربما تكون أكبر من ذلك، فمنذ احتلال العراق عام 2003، اشتغلت إيران على بناء شرق أوسط إيراني سيمتد حتى صيف 2024، كان لإيران فيه النفوذ الأكبر، والحراك العسكري الأكثر انتشاراً، والمكاسب الأكثر استراتيجية. وبالتالي، فإن ما حصل منذ اغتيال نصر الله في أيلول/سبتمبر 2024 وهروب الأسد في كانون الأول/ديسمبر، هو انهيار الشرق الأوسط الإيراني، وبداية شرق أوسط إسرائيلي سيتم تأسيسه خلال سنين قادمة. ولكل شرق أوسط لزومه الخاص بقيامه، ومن لزومه تصفية كل ما يتعلق بالمشروع الإيراني، وهنا لا نعني تصفية النظام الإيراني، بل إخراجه من معادلات القوة شرق الأوسط، عبر إخراجه من المرتكزين الآخرين: العراق واليمن أولاً ، وإعادة إيران إلى ما دون مرحلة توازن الرعب (التوازن النووي الوشيك) لضمان التفوق النووي الإسرائيلي، وإيجاد وكلاء جدد للشرق الأوسط الإسرائيلي، ومن ذلك كان تصفية كل عناصر القوة العسكرية لسورية ما بعد الأسد (تدمير أكثر من 80% من قوتها العسكرية)، وهو ما قد يحتاج إلى سنوات من الاستهداف المستمر (ضربات جوية، اغتيالات، تخريب، دعم قوى محلية، تحشيد دولي)، قبل الوصول إلى مرحلة "السلام الإسرائيلي Pax Israeliana"، ونشك في إمكانية الوصول إلى هذا النمط من السلام (حيث تعيش إسرائيل آمنة تماماً على ذاتها ومصالحها)، حيث أن إسرائيل تسعى لفرض هذا السلام دون أية تسويات فعلية لتعقيدات الشرق الأوسط التي تسببت بها. وفيما يستند نتنياهو إلى مشروع شخصي بالغ التطرف منذ 2023، فإنه الآن يستند إلى ترامب صاحب المشاريع المتطرفة الأخرى في المنطقة (صفقة القرن، اتفاقات أبراهام، نقل السفارة، الاعتراف باحتلال الجولان، حملة الضغط الأقصى)، وبالتالي يشكل ترامب عامل تحفيز أكبر لتعزيز الشرق الأوسط الإسرائيلي، سواءً في الطرح المتطرف المتعلق بتهجير سكان غزة، أو بدء عمليات عسكرية غير محدودة في الضفة الغربية، أو فرض توجهات شرق أوسطية تتفق مع بناء أمن إسرائيلي جديد. وربما يكون من سمات هذا الشرق الأوسط، طي صفحة استخدام القوى العسكرية دون الدولة (الميليشيات والجماعات المسلحة الأخرى)، والعودة إلى العمل ما بين الحكومي في المنطقة، لكن ذلك لا ينفي أن لإسرائيل مطامع ما تزال حاضرة في تفتيت المنطقة ما استطاعت إلى ذلك، وخصوصاً مع سلوكها العلني تجاه سورية ولبنان. ولا يعني أن إسرائيل ستشتغل على تحقيق شرق أوسطها كما فعلت إيران (عبر ميليشياتها)، بل هي أكثر حاجة إلى وجود كلاء شرق أوسطيين يتولون هذه المهمة، ومع صعوبة تشكيل ميليشيات على النمط الإيراني، فإن أمام إسرائيل نمطين آخرين: تعزيز النزعات الانفصالية كما تفعل مع قسد في شرق سورية، أو الاعتماد على حكومات شرق أوسطية مقابل منافع وضمانات أمنية واقتصادية، ومن غير الواضح بعد أي النمطين أكثر إمكانية (وإن كنا نرجح النمط الثاني أكثر). ورغم ما يظهر من رفض عربي معلن حول مشروع تهجير سكان غزة، لكن لا حدود لتطرف محور نتنياهو-ترامب، وبالتالي تبقى قدرة الدول العربية على التأثير الحقيقي محدودة، وإن كان طرح ترامب بجعل غزة منطقة استثمار سياحي وتهجير سكانها داخلياً أو خارجياً قد يكون نوعاً من بوالين الاختبار لقياس مدى قدرة ترامب على الضغط على شركائه في الشرق الأوسط، وخصوصاً مع رفض فلسطيني-عربي لأية عمليات تهجير من غزة، تبقى قدرة الدول العربية على فرض موقف موحد فعّال موضع تساؤل، خاصة في ظل الانقسامات الداخلية والتباين في المصالح بين العواصم العربية، فيما قد تحمل زيارة ترامب المرتقبة للسعودية تبياناً للتوجهات القادمة. د. عبد القادر نعناع عميد كلية العلوم السياسية بجامعة الزيتونة الدولية
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٧ فبراير ٢٠٢٥
عميد كلية العلوم السياسية في جامعة الزيتونة الدولية الدكتور السوري عبد القادر نعناع تحدث لـ «القدس العربي» عن مجموعة من الهواجس التي قد تكون مشتركة بين مصر وسواها من دول عربية أو غربية، لكن ما يجعل الموقف المصري أكثر تعقيدا من وجهة نظره «بنية العقل السياسي المصري التقليدية أولاً، والعسكرية الأمنية ثانياً، والمستندة إلى حالة قلق مفرط من حراك أي طرف من قوى الإسلام السياسي ثالثاً». وقال نعناع: مصر، كغالبية الدولة العربية، لا تتفق مع التغييرات الراديكالية في نظم الحكم العربية، وإن كانت دول الخليج كذلك، لكن الشبه الجمهوري – العسكري يجعل مصر أكثر حساسية للتغيير الحاصل في سوريا. ورغم أن مصر لم تكن على وئام مع نظام الأسد، ولم تكن على عداء كذلك، بل يمكن وصف العلاقة بأنها مجمدة، بل ولم تبادر مصر إلى كسر هذا الجمود مع نظام الأسد كما فعلت السعودية والإمارات، لكنها في الطرف الآخر استقبلت مئات آلاف السوريين (لأسباب إنسانية، وليس لأسباب سياسية) دون أن يعني ذلك أي علاقة مع قوى المعارضة السورية منذ يونيو/حزيران 2013. وتحدث الخبير في العلاقات الدولية عن تجربة مصر الراهنة التي «تستند إلى صدام مع الإسلام السياسي المتمثل في حركة الإخوان المسلمين، ولا تزال الدولة المصرية تلاحق بقايا عناصر الحركة، فإن ذلك يجعل تقبل حركة إسلام سياسي في دولة عربية أخرى غير مقبول للقيادة المصرية، عدا عن ظهور بعض الشخصيات الملاحقة مصرياً في دمشق بعد ساعات فقط من سقوط نظام الأسد، بل وتجرأ بعضها على توجيه رسائل تهديد للحكومة المصرية. عدا عن مطالب مصرية بتسليم بعض الشخصيات المصرية الموجودة في سوريا كما أشيع». وربما تشترك الدول العربية عموما بهذه الهواجس ذاتها، لكنها في الحالة المصرية وفق وصف نعناع «تبدو مضاعفة» عازيا السبب إلى الاعتقاد المصري بمركزية الدور المصري في الشرق الأوسط، وهي مركزية فائتة لم تعد قائمة بالشكل ذاته، وإن كانت حاضرة في مناسبات مختلفة، لكنها لم تعد تلك المركزية الناصرية التي تجعل من الحكومة السورية حريصة على ضمان تأييد مصر، وإن كانت الحكومة السورية حريصة على علاقات طبيعية وودية مع كل الدول العربية، لكنها ربما لم تقدم لمصر ما ظنت أنها تستحقه: أمنياً، وسياسياً، ومكانة شرق أوسطية. لكن لا أظن أن موضوع المكانة كثير الأهمية في الموقف المصري، كما هي بقية العوامل، بل يمكن وضع مسألة المكانة في ذيل القائمة، ولو كان كذلك، لكانت الخارجية السورية بادرت بزيارة مصر مبكراً. وقال: هناك أحاديث عن انزعاج مصري سابق من موقف «هيئة تحرير الشام» ذاتها من الإخوان المصريين وتأييدهم للحركة، لكن ذلك كان في زمن مضى، فيما يتسم نهج الحكومة السورية منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 بالمبادرة تجاه القوى الإقليمية والدولية، وبمحاولة طي ما سبق، ومد الجسور نحو المحيط العربي. وقال: من جهة أخرى، لن يكون الموقف المصري على كثير من الاختلاف عن الموقف في عدة دول عربية، سواء انفتحت على دمشق أم لا تزال متحفظة، فجميعها في حالة ترقب لمجريات الأحداث السورية، مستخدمة جملة معايير للحكم على المرحلة المقبلة، وأهمها قدرة الشرع على فرض سيادة الدولة السورية وتسوية التهديدات الأمنية القائمة، ونوعية الإسلام السياسي الذي سيتبلور في الشارع السوري، وإن كانت مصر أكثر حساسية لهذه الجماعات، لكن وجود إسلام سياسي تتم إعادة إنتاجه بشكل أكثر مدنية وانفتاحاً (على النمط التركي ربما) غير معادٍ للحكومات العربية، وغير ثوري أو مُستَقطِب لقوى خارجية، قد يخفف من قلق العرب (والسوريين أيضاً). إضافة إلى مسألة تصدير «النموذج الثوري» السوري، وخصوصاً أن ما حدث في سوريا هو امتداد للربيع العربي الذي شهد موجتين (2011، 2019) واستقرار سوريا قد يشجع على التخطيط لموجة ثالثة في بعض الدول، عبر تحويل الحالة السورية إلى نموذج يحتذى به. ولا يبدو حتى الآن أن هناك رغبة في الشارع السوري والحكومة، بتحويل سوريا إلى «نموذج» سواء عبر الاحتذاء أو الاستقطاب أو الرعاية. وعن تاريخ العلاقات السورية ـ المصرية قال المتحدث: شهدت العلاقات المصرية-السورية فترات من الاضطراب والعداء والقطيعة، ربما كان أشدها بعد الانفصال (1961-1967) وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد (1979-1990) ونتمنى ألا تكون هذه فترة أخرى. وهناك مؤشرات مقبلة يمكن الاستفادة منها في فهم الموقف المصري، وخصوصاً مع أول اجتماع يجري في جامعة الدول العربية (بغض النظر عن مستوى التمثيل والاجتماع) لكنه سيكون دليل عمل لفهم الموقف المصري التقليدي بشكل أوضح. منشور ضمن تحقيق صحفي، صحيفة القدس العربي 7 شباط/فبراير 2025 على الرابط التالي: https://www.alquds.co.uk/%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ba%d9%8a%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%87%d9%88%d8%a7%d8%ac%d8%b3-%d9%88%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d9%8a%d8%b1/?fbclid=IwY2xjawISkjFleHRuA2FlbQIxMAABHfjVDKctScYyhYWYQFygpkdB5YmsmRKllj9iA1nP3CYjwhzVeMVhf-2Isw_aem_NWxceJhYOYG5Ag8jtcP0Uw
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٣ فبراير ٢٠٢٥
السعوديون بطبعهم شعب مضياف، وكل من عاش في تلك البلاد يدرك ذلك تماماً. لكنهم في ذات الوقت يتميزون بالهدوء والتأني في اتخاذ قراراتهم، لا سيما في القضايا السياسية، ويميلون إلى دراسة المعطيات بدقة قبل الالتزام بخطوات طويلة الأمد. هذا النهج يختلف إلى حد ما مع النهج السوري، حيث يتسم السوريون بسرعة الإيقاع، والسعي إلى الإنجاز المتسارع، وتحمل الأعباء الكبيرة، مما يجعلهم أكثر اندفاعاً في بعض المواقف. وتعكس الزيارات السورية المتكررة إلى السعودية، بوضوح، رغبة دمشق في إعادة تموضعها ضمن الفضاء العربي، وخاصة في الخليج (وتحديداً السعودية)، مع التأكيد على فك الارتباط مع المشروع الإيراني، الذي لطالما اعتُبر مصدر تهديد رئيس للمنطقة. ويفهم هذا التحول أيضاً في سياق التوازنات الإقليمية، حيث تسعى سورية إلى طمأنة العواصم العربية بأنها ليست مجرد امتداد لنفوذ تركي في المنطقة. في هذا السياق، تحاول الإدارة السورية الجديدة إغلاق أي أبواب محتملة للصدام مع الدول العربية، وهو ما يتجلى في زيارة الإمارات، والنهج الهادئ تجاه مصر، إلى جانب زيارة الأردن وقطر والانفتاح على الكويت والبحرين ولبنان، وباقي المحيط العربي. إلا أن السعودية تظل الفاعل العربي الأبرز في المشهد السوري الخارجي، حيث يحمل التحول السوري معها انعكاسات مباشرة على موازين القوى الإقليمية، مما يستقطب الرياض، سواء أرادت ذلك أم لا، لتكون جزءاً من معادلة إعادة ترتيب المحاور في الشرق الأوسط، وهي معادلة لا تزال قائمة منذ النصف الثاني من القرن الماضي. ورغم الاحتفاء السعودي الرسمي بالوفود السورية، إلا أن الحذر يظل السمة الأبرز في السياسة السعودية تجاه دمشق (إعلامياً وسياسياً)، وهو حذر لا يقتصر على السعودية وحدها، بل ينسجم مع الموقف الدولي والإقليمي الأوسع، سواء الأوروبي أو الأمريكي أو العربي. فمن الواضح أن الرياض ليست في عجلة من أمرها لتقديم التزامات طويلة الأمد، قبل اختبار مدى استقرار الإدارة السورية الجديدة، وقدرتها على الحكم الفعلي، ومدى اتساق خطابها السياسي مع ممارساتها على الأرض. كما أن هناك مخاوف من مسألة "تصدير النموذج"، التي تثير حساسية لدى عدد من الدول العربية. وإلى جانب البعد السياسي، هناك أيضاً اعتبارات اقتصادية وأمنية في التأني السعودي، حيث تراقب الرياض الوضع الاقتصادي في سورية ومدى استقراره قبل الانخراط في أي مشاريع استثمارية، كما تأخذ في الحسبان الملفات الأمنية المعقدة في المنطقة. وترقب السعودية أيضاً مواقف دول أخرى مثل مصر والإمارات وتركيا تجاه سورية. حتى الآن، تبدو الخطوات السورية متماشية إلى حد كبير مع خطابها المعلن، مما يقلل من المخاوف الإقليمية، لكن هذه المخاوف لن تتلاشى بالكامل قريباً. فالتطورات المقبلة داخلياً وخارجياً ستحدد ما إن كان هذا المسار سيستمر، أم أن المنطقة ستشهد تقلبات جديدة في المشهد السوري. لكن من المؤكد، أن الزيارة الأولى للسعودية، هي خطوة موفقة من الإدارة السورية داخلياً وخارجياً، وتفتح آفاقاً مغلقة، وتحضِّر البلاد لعلاقات طبيعية في الشرق الأوسط، ومن المؤكد أن السعودية شرعت أبوابها للقيادة السورية الجديدة، وترحب بخطواتها المتتالية. د. عبد القادر نعناع عميد كلية العلوم السياسية – جامعة الزيتونة الدولية
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٣١ يناير ٢٠٢٥
شهد القرن الماضي انقساماً بين شكلَي نظام حكم: عسكري انقلابي (سُمِّي بالجمهوري)، وآخر ملكي وراثي (على اختلاف مسمياته)، وامتاز كل منهما بسمات خاصة، ففيما اتّجه الأول نحو ما عُرِف بالنموذج الناصري للتنمية: أي أنّ الدولة هي المسؤولة عن عمليات التنمية والاقتصاد والتحرير ومحاربة الصهيونية والتصدي للإمبريالية العالمية وتحقيق أهداف الثورة/الانقلاب مقابل عدم تدخل العامة في الشأن السياسي إلا عبر السلطة وحدها، كان النموذج الآخر أقل وعوداً من نظيره، أي أنه لم يُحمِّل نفسه كثير مسؤولية أمام شعوبه واكتفى بخطاب التنمية والسيادة، لكنه أغلق هو الآخر المجال العام (في معظمه، حيث حافظت ملكيات كالأردن والكويت والمغرب على حيز لا بأس من المجال للاشتغال السياسي). ونلحظ اليوم بروز ما يمكن أن يكون نموذجاً ثالثاً، وهو أقرب إلى أن يكون حالة وسط بين النموذجين السابقين، عبر خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع، من خلال خطابه المقتضب الذي تحمّل فيه مسؤولية المرحلة الانتقالية، محدِّداً المهام التي سيتصدّى لها (والمُساءلة عنها لاحقاً)، في نقاط شملت تحرير كامل التراب السوري، مع وعود بالتنمية، وأخرى بالعدالة والسلم الأهلي، ورابعة بإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وخامساً استعادة مكانة الدولة والمواطن السوري. وهي وعود جديرة بالتقدير والمشاركة التي طالب الجميع بها باعتبار كل السوريين (كلنا) شركاء في النصر. إذاً، أصبح لدى القوى السورية برنامج عمل تستدرك فيه مسار السلطة في السنوات القادمة أولاً، ومحددات مسبقة لمحاسبة السلطة ثانياً، وقضايا أخرى كثيرة –لم يتمّ التطرق لها– يمكن بناء مشاريع سياسية عليها ولأجلها، وهو ما يشبه رمي الكرة في ملعب النخب والقوى السياسية السورية. أي أن المرحلة القادمة تتطلب تحركاً نخبوياً واسعاً لوضع السلطة أمام الاختبار الفعلي: اختبار إطلاق المجال العام أمام الاشتغال السياسي، واختبار الشراكة التي جاءت في الخطاب، واختبار قدرة النخب ذاتها ومصداقيتها في العمل لأجل البلاد ونهضتها أيضاً. فلا يمكن تصور أن تنجِز السلطة وحدها هذه الوعود، فيما تُحجِم القوى السورية عن الانخراط بدورها التاريخي، أو أن تنشغل بتعظيم مصالحها (قوى وأفراداً)، إذ إنّ محاسبة السطلة تستوجب بدروها محاسبة النخب "الشريكة" للسلطة في المسؤولة. رغم تأخر الخطاب، وقد يكون ذلك لأسباب تتعلق بحجم الانتقال التاريخي الذي شهدته سورية، لكنه يشكل بداية لنا –نحن السوريين– جميعاً لنبدأ العمل على إعادة بناء الدولة والتاريخ السوري. د. عبد القادر نعناع عميد كلية العلوم السياسية - جامعة الزيتونة الدولية
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٣٠ يناير ٢٠٢٥
ما يزال المشهد السوري مُضطَرباً في غالبية جوانبه: السياسية والاقتصادية والأمنية، وليس من المتوقع أن يشهد استقراراً مُستداماً في القريب العاجل. فيما تتحمّل السلطة جزءاً مهمّاً من هذه الفوضى، لكثير أسباب، منها: عدم المساهمة في توضيح الصورة للمجتمع السوري المترقِّب، وترك فراغٍ تملؤه فوضى الشائعات والوسطاء. وحتى خطاب النصر المُنتظَر منذ خمسين يوماً، أتى بذات الفوضوية، صحيح أنه بقي في سياقه المتوقع منه، لكنه خرج عن بعض نصوص ما كان مُنتَظراً. فبداية، لم يأتِ الخطاب خارجاً السياق الذي حدثت فيه التغيرات السورية الكبرى خلال الشهرين الماضيين، والتي كانت انتصاراً عسكرياً سريعاً وحاسماً، أقرب إلى حالة انقلاب عسكري لمجموعة منظَّمة على نظامٍ بالٍ ما كان قابلاً للحياة، أكثر منه انتصار ثورة شعبية اجتاحت الشوارع والمدن وأسقطت الطاغية، ولا ضير في ذلك، طالما أنّ الطرفين متفقان على هذا الهدف وعنده. إذاً، ما سيجري بعد التحرير/إسقاط النظام، مبنيٌّ على هذه المقدمة، وهنا نضع الأمر في سياق الانقلابات العسكرية المعهودة في التاريخ السوري، رغم خصوصية/تمايز الزمان والجماعة والآليات والبيئات. وفي هذا السياق، أتى ما كان متوقّعاً بالضبط، احتكار السلطة الانتقالية في يد الجماعة الانقلابية، وما عدا ذلك أمر غير ممكن، وما المطالبة بالشراكة والانتخابات والانفتاح (الآن)، ما هو إلا ضرب من الفوضى في هذه المرحلة، لن يقبل بها أصحاب القوة. فمن طبيعة الانقلابات أن تضع السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، في يدها عبر زعيمها أو عبر مجلس عسكري يدير البلاد، ويتخذ جملة إجراءات استثنائية ذات طابع مؤقت: دستور مؤقت، هيئة تشريعية مؤقتة، حكومة مؤقتة، وهنا لا كثير فرق بين المؤقتة والانتقالية، فكلاهما مرحلي وليس مستقراً. لكن هناك خروجاً محموداً عن أدبيات الانقلابات المعهودة، عبر غياب حالة الطوارئ المترافقة بالأحكام العرفية، وإن كان هناك شكوك وشكاوى من طبيعة إجراءات السلطة القضائية المؤقتة. إذاً، خطاب النصر أتى كما يجب أن يأتي، وأتى في سياق ذات الخطابات الانقلابية كلها: "إنما نحن انتصرنا للشعب ولقضاياه العادلة". وحيث أنه خطاب يهيئ المجال للمرحلة الانتقالية فإن لا كثير تعويل عليه، خارج ما قال به الشرع أولاً: ملء الفراغ السلطوي، السلم الأهلي، بناء مؤسسات الدولة، العمل على بنية اقتصادية تنموية، استعادة المكانة الدولية والإقليمية. أو في الإعلان ذاته: حل كل القوى السياسية والعسكرية والأمنية السابقة، والبدء بالتأسيس من جديد. لكنه أيضاً أغفل مواضيع بالغة الأهمية (وربما الخطورة) ينتظر الجمهور البتّ فيها، ومنها: محاسبة المجرمين، وتوحيد سورية. كما أنه ثانياً لم يظهر كما يجب أن يظهر: أي أنه لم يُوجَّه إلى الشعب السوري مباشرة، مع غياب أي خطاب تعويضي من السلطة للشعب، بل الإصرار على ترك فجوة بين السلطة والشعب تملؤها جهات وسيطة سيكون لها دور غير حميد لاحقاً. وربما يكون ثالث الاعتراضات أنه لم يتأسس على إعلان دستوري مؤقت، وهنا (حيث سلطة الأمر الواقع) فلا كثير فرق بين من يأتِ أولاً. أما الاحتجاج الرابع الأبرز، فهو غياب أطر زمنية للمرحلة الانتقالية، ولا أظن أن نظاماً انقلابياً يرغب بتسليم السلطة، فكيف بوضع جدول زمني لذلك. ويذهب الاحتجاج الخامس، إلى غياب مصطلحات تأسيسية للمرحلة القادمة: ديموقراطية، حقوق إنسان، حريات، انتخابات، عدالة، وهو –وفق ما أرى- أكثر الاحتجاجات صواباً ومداعاة للقلق من توجهات السلطة. فمنذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر الفائت، والمجال العام السوري منشغل بشكل نظام الحكم القادم، ومرشحيه وآلياته ومؤسساته، في تعبير عن أمل بنظام ديموقراطي "موعود"، لا يبدو أنه قريب الأفق في ظل المعطيات الحالية. فالسلطة، وخاصة السلطات الانقلابية والعسكرية والثورية المسلحة، لا تمنح الديموقراطية من تلقاء نفسها (إلا نادراً)، بل هي نتيجة خضوعها لعمليات اشتغال سياسي نخبوي ومجتمعي تضغط على السلطة وتدفعها نحو إقرار الديموقراطية ولو على مراحل متتالية، أو من الأبسط إلى الأعقد. ختاماً، لم يأت خطاب النصر خارج ما كان متوقعاً، ورغم أنه لم يأت كما كان متوقعاً بالضبط، إلا أنه وعبر إزاحة نظام إجرام طائفي شرس، فإنه يمنح الشعب مبررات جديدة للاحتفال، لا بالسلطة بل بالمنجز ذاته، على أن الوظيفة القادمة في مراقبة السطلة الانقلابية المؤقتة تبقى مسؤولية النخب السياسية السورية، التي يناط بها تشكيل المجال العام والمناخ السياسي والحواضن المجتمعية. د. عبد القادر نعناع عميد كلية العلوم السياسية – جامعة الزيتونة الدولية
بواسطة د. عبد القادر نعناع ١٢ يناير ٢٠٢٥
على مدى ستة عقود، عمل النظام البائد على تجريف المجال العام، ما أدى إلى تغييب طويل لأي بيئة صحية تسمح بتطور نخب وطنية فاعلة ومستقلة. ورغم نجاح عمليات التجريف هذه في إنتاج فراغ فكري وسياسي كبير، إلا أن النخبة السورية لم تُلغَ بشكل كامل، وظلت حاضرة في الظل أو في الشتات. لكن في ذات الوقت، نتج جيل جديد من النخب المشوهة بالفساد والانتهازية، هيمنت على العديد من المؤسسات التي برزت بعد 2011، بما في ذلك بعض المؤسسات "الثورية"، إلى جانب نخب نكوصية ما تزال حبيسة القرن الماضي (حبيسة لحظة الاستقلال). أعتقد أن المشهد النخبوي قبل وصول البعث إلى السلطة كانت أكثر تنوعاً وتمثيلاً لاتجاهات فكرية وأيديولوجية متعددة، تميزت بانتمائها إلى تيارات قومية ويسارية ودينية، إضافة إلى نخب ليبرالية ذات تأثير محدود. كما ضم المشهد نخباً عسكرية وشخصيات من الأعيان، فضلاً عن أشكال أخرى من القيادات المجتمعية والسياسية (ماسونية، إقطاعية، ريفية، إثنية، ...) أسهمت في تشكيل الحياة العامة وتوجيه الأحداث الوطنية. وكان تنوع هذه النخب، رغم اختلافاتها، يعكس حيوية اجتماعية وفكرية افتقدتها البلاد لاحقاً بعد عقود من حكم شمولي سعى لتقويض هذا التنوع وتقليص المساحة العامة. رغم الأمل الكبير في دور النخب السورية اليوم، إلا أن المشهد يتسم بالتداعي والصراع الداخلي. من أبرز مظاهر هذا التداعي السعي المحموم للحصول على حصة من "الكعكة السورية" بدلاً من العمل على طرح مشاريع سياسية بناءة، سواء بالتعاون مع السلطة أو بشكل مستقل عنها. هذا التنافس على المكاسب الشخصية يقف في وجه العمل الوطني الجماعي الذي تحتاجه البلاد بشدة. فيما يواجه جزء كبير من النخب الوطنية المستقلة صعوبات تحول دون عودتهم الفورية إلى سورية، بينما يسعى آخرون إلى احتكار المجال العام وتوجيهه لخدمة مصالحهم الضيقة، فالعصبية والانتماءات الضيقة، بالإضافة إلى الارتهان لأجهزة الاستخبارات، تبقى من أبرز نقاط ضعف المشهد النخبوي السوري. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أضافت تحدياً جديداً عبر خلق "نخب شعبوية" تتغذى على التفاعل السريع بدلًا من الفعل العميق. في حين تواجه النخب السورية تحدياً كبيراً في استعادة ثقة الشعب، وهو ما يتطلب تواصلاً حقيقياً يتجاوز الخطاب النخبوي المنعزل عن هموم المواطنين. ولا يمكن بناء الثقة دون انخراط فعلي مع المجتمع، والاستماع إلى تطلعاته، وتقديم حلول واقعية تعالج معاناته. ورغم قتامة هذا المشهد، تبقى الفرصة قائمة لنهوض جديد يعيد للنخب دورها القيادي عبر تحمل مسؤولياتها الوطنية والعمل على مشاريع تعزز التغيير وتدفع نحو مستقبل أفضل. فالنخبة السورية اليوم بحاجة إلى إعادة بناء ووعي جديد يعيد للمجال العام دوره ويصنع نخباً مسؤولة تحمل مشروعًا وطنياً جامعاً. د. عبد القادر نعناع عميد كلية العلوم السياسية – جامعة الزيتونة الدولية
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٦ يناير ٢٠٢٥
منذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر الفائت، والمجال العام السوري منشغل بشكل نظام الحكم القادم، ومرشحيه وآلياته ومؤسساته، في تعبير عن أمل بنظام ديموقراطي "موعود"، لا يبدو أنه قريب الأفق في ظل المعطيات الحالية. فالسلطة، وخاصة السلطات الانقلابية والعسكرية والثورية المسلحة، لا تمنح الديموقراطية من تلقاء نفسها (إلا نادراً)، بل هي نتيجة خضوعها لعمليات اشتغال سياسي نخبوي ومجتمعي تضغط على السلطة وتدفعها نحو إقرار الديموقراطية ولو على مراحل متتالية، أو من الأبسط إلى الأعقد. وهنا لا أتحدث عن "انتخابات" فهذه شكل أو أداة من أدوات الديموقراطية، فيما يقع كثير في هذا الخطأ بالقول إن وجود انتخابات وفوز أكثرية إثنية هو حصل الديموقراطية الموعودة، وعلينا إقفال الباب على ذلك. هذه الديموقراطية، لا يمكن لها الظهور أو النمو في بيئات غير حاضنة لها، أو غير ديموقراطية، فحديث الائتلاف (الذي طالما كان إقصائياً) عن الديموقراطية هو مهزلة سياسية. وحديث اليمين الإسلامي المتطرف هو كذلك، وحديث النخب الاستعلائية والقمعية أيضاً، وأحاديث بعض الأقليات عن عدم قبول الآخر واشتراطات تفكيكية وغير عقلانية هو في ذات المسار. أي أن البيئة السورية في حد ذاتها –اليوم على الأقل– هي بيئة غير منتجة وغير حاضنة للديموقراطية، مع التذكير بأن الديموقراطية ليست صندوقاً يطوف حوله المواطنون. لذا، فإن الحلم الديموقراطي السوري، لن يبدأ من قبل السلطة أولاً، بل من قبل المجتمع، وذلك عبر تبني أسس الديموقراطية وآلياتها فيما بينه من جهة، وفي منزله وعمله وأسرته وحزبه ونقابته، حتى يصل إلى مرحلة الاقتناع بنفعية الديموقراطية للجميع، وحينها سيكون مستعداً لقبول نتائجها (الخسارة أو الربح)، ثم يبدأ مسار الضغط على السلطة بهذا الاتجاه، وتتشكل الموالاة والمعارضة على هذا الأساس (وليس على أسس إثنية). في حالات أخرى، تكون نخب السلطة ذاتها ذات ميل ديموقراطي (وهو أمر غير متوفر حتى الآن في سورية). كما أن غياب الطرف المجتمعي/النخبوي الديموقراطي الآخر، سيدفع السلطة إلى تأجيل الدمقرطة قدر الإمكان، والاستئثار بالسلطة. بالإجمال، هناك الكثير من المعارك السياسية التي علينا خوضها في الأشهر والسنوات القادمة، قبل الوصول إلى الحلم الديموقراطي المنشود (هذا إن كان حلماً للجميع)، وما الأصوات التي تحاول قمع حريات التعبير التي تتشكل اليوم، إلا مساعٍ من أطراف سياسية أو من قوى شعبوية لمنع تهيئة البيئة السورية لاحتضان غرسة الديموقراطية (تحت شعارات أشبه بشعار: لا صوت يعلو على صوت المعركة). د. عبد القادر نعناع عميد كلية العلوم السياسية بجامعة الزيتونة الدولية
مزيد من المنشورات
Share by: