مخاطر التشاؤم: لماذا تكون الأمم القَلِقَة أمماً خطِرة؟

دانييل دبليو. دريزنر • ٣ سبتمبر ٢٠٢٥
المؤلف: دانييل دبليو. دريزنر Daniel W. Drezner
ترجمة: د. عبد القادر نعناع


يتمثل الجانب المظلم في العلاقات الدولية أنه على الرغم من اتفاق الجميع على أهمية القوة، إلا أنه لا يوجد اتفاق على كيفية تعريفها أو قياسها. هناك لحظات نادرة يحدث فيها توافق حول توزيع القوة: كالهيمنة الأمريكية قبل جيل من الآن مثلاً. وهناك لحظات أكثر عندما تظل القوة والنفوذ النسبي للقوى الكبرى غير واضحين: كالعقد الأخير من السياسة الدولية مثلاً، والذي تشكّل من خلال سرديات متنافسة متعددة حول صعود الصين وتراجع الولايات المتحدة. وهناك لحظات تُختبر فيها مسألة القوة الدولية برمتها: كالأوقات التي تندلع فيها الحروب الكبرى، مثل الحرب الجارية حالياً بين روسيا وأوكرانيا.

عادةً ما يُنظر إلى القوة على أنها قدرة دولة على إرغام الآخرين على القيام بما تريد. وغالباً ما يقيس الخبراء ذلك من خلال النظر إلى القوة العسكرية أو الناتج المحلي الإجمالي. لكن هذه القياسات، في أحسن الأحوال، جزئية —وفي أسوأ الأحوال، متحيزة— ولا تكشف سوى القليل جداً عن كيفية تصرف الدولة أو عدم تصرفها. والعامل الحاسم الذي يغيب في مثل هذه الحسابات هو التوقعات المستقبلية، وما إن كان قادة الدولة يعتقدون بمصير متفائل أم متشائم لبلادهم. فإن اعتقد القادة أن المستقبل يبدو غير مؤاتٍ، فإنهم سيُغَرّون باتخاذ إجراءات محفوفة بالمخاطر في الحاضر لتفادي المزيد من التراجع، مما قد يؤدي إلى سباقات تسلّح ومناورات على حافة الهاوية خلال الأزمات. في المقابل، يتوقع القادة المتفائلون مستقبلاً أكثر إشراقاً لبلادهم، وبالتالي يفضلون الصبر الاستراتيجي، الذي يميل إلى إنتاج استثمارات في الحوكمة العالمية.
لقد فوجئت الولايات المتحدة وحلفاؤها وشركاؤها –بسرور– بمسار الحرب في أوكرانيا، حيث اعتقد الكثيرون أن روسيا ستنتصر فيها بسهولة وسرعة. لكن، ولسوء الحظ، قد يكون هذا الإحساس بالتفاؤل عابراً —وطبعاً، بالكاد يتفق مع وجهة نظر موسكو وبكين–. في الواقع، يمكن تصور سيناريو تجعل فيه أزمة أوكرانيا العالم كله أكثر تشاؤماً بشأن المستقبل، مما قد يعني احتمالاً أكبر بكثير لنشوب حرب بين القوى الكبرى.


توقعات كبيرة
طالما اعتُبِرت القوة عملة السياسة العالمية، لكن هناك اتفاقاً قليلاً –سواء في الأوساط الأكاديمية أو السياسية– حول كيفية تعريفها. ولتوضيح ذلك، هناك طريقة سهلة عبر سرد جميع الصفات المرتبطة بالمصطلح، مثل "ناعمة soft"، "حادّة sharp"، "اجتماعية social"، "هيكلية structural"، وهذه مجرد الصفات التي تبدأ بالحرف (s). ويختلف التعريف المطبق للقوة من قضية إلى أخرى، ومن فاعل إلى آخر.

أحد أسباب هذه التباينات هو أن قادة السياسة الخارجية يفترضون أموراً مختلفة عن المستقبل، وتحدد هذه الافتراضات بدورها أبعاد القوة المهمة. فبعض أشكال النفوذ ذات قيمة في الحاضر، بما في ذلك القوة العسكرية والإكراه الاقتصادي. لكنها رغم أهميتها في الأزمات، غالباً ما تخلق معضلات أمنية غير منتجة. وعندما تزيد قوة كبرى ميزانيتها العسكرية، حتى لأغراض دفاعية، سيشعر المنافسون بضرورة الرد بالمثل.

فيما أشكال أخرى من النفوذ تعمل بوتيرة أبطأ. فالشبكات الاقتصادية وأطر الأمن لا تُبنى بين عشية وضحاها. إذ إن بناء هياكل الحوكمة العالمية، مثل مؤسسات بريتون وودز ومعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، مهمة شاقة قد تستغرق سنوات. فالقوة الناعمة —أي قدرة دولة على إقناع دول أخرى برغبات مماثلة— قد تستغرق أجيالاً لتتطور وتُمارس. لكن لهذه الأشكال من القوة مزاياها: فهي تقوي نفسها ذاتياً؛ فبمجرد تأسيسها، يصعب على المنافس إيجاد بدائل. لكن غالباً لن يهتم القائد الذي لا يتطلع نحو المستقبل البعيد بهذه الوسائل؛ لأن عوائد الاستثمار فيها ليست فورية. على خلاف القائد المتطلع نحو المستقبل، والذي سيكون مستعداً لتحمل تكاليف قصيرة المدى للاستثمار في أدوات القوة التي ستثبت قيمتها على المدى الطويل.

أما إن كان قادة السياسة الخارجية سيتخذون منظوراً قصير أو طويل الأجل للقوة، فهذا يعتمد على عدة عوامل. فإن اعتقد القادة أن العالم الذي يعيشونه هوبزيّ —حيث الحياة فقيرة، وبغيضة، وحشية، وقصيرة—فلن يمكنهم تحمل رفاهية النظر بعيد المدى. إذ إن النظام الدولي المليء بالكوارث والأوبئة والنمو الاقتصادي المحدود والعنف يفرض عليهم التركيز على المدى القصير. بمعنى آخر، لمعظم تاريخ العلاقات الدولية، كان المنظور قصير المدى منطقياً تماماً.

ومع ذلك، سنحت الظروف العالمية الأفضل في الآونة الأخيرة للقادة برؤية مستقبل أكثر إيجابية. فقد أنهى العالم فخ مالتوس—الاعتقاد بأن نمو السكان محدود بالإنتاج الزراعي— وبدأت الثورة الصناعية، إيذاناً بعصر يمكن للناس فيه الاعتقاد بجدارة أن أياماً أفضل قادمة. وارتفع متوسط العمر المتوقع للبشر من أقل من 30 عاماً في عام 1800 إلى أكثر من 70 عاماً في 2015. وخلال فترة زمنية مماثلة تقريباً، انخفض معدل وفيات الأطفال بمقدار عشرة أضعاف. أي أن عالم أصبح فيه الجميع أكثر صحة وثراءً، بمستقبل أكثر إشراقاً.

كانت هذه الاتجاهات شبه عالمية، لكن الدول الفردية تختلف في تفاؤلها أو تشاؤمها النسبي بشأن قوة مستقبلها. فيمكن لصانعي السياسات في دول ذات معدلات مواليد قوية ومستدامة وهجرة خارجية ضئيلة تفسير هذه المؤشرات على أن دولتهم في صعود. بينما قد تشير معدلات المواليد المنخفضة والهجرة الخارجية المرتفعة إلى العكس. وبالمثل، يمكن للدول التي تشهد نمواً اقتصادياً سريعًا أو ركوداً مستمراً أن تتوقع نفس النمط في المستقبل. عموماً، يُتوقع أن تكون الدول ذات اتجاهات النمو القوي مقارنة بمنافسيها أكثر تفاؤلاً بشأن المستقبل. كما يمكن للنتائج السياسية الهامة، سواء كانت إيجابية أو سلبية، أن تؤثر في التوقعات المستقبلية. فالدول التي تفوز في الحروب من المحتمل أن تكون واثقة من قدرتها المستقبلية على مواجهة التهديدات الأمنية التقليدية، في حين أن الدول الخاسرة ليس أمامها خيار سوى الالتزام ببناء قوة عسكرية قصيرة المدى، خشية المزيد من الهزائم على أرض المعركة.

كما يمكن للمعلومات المرصودة أن توجه توقعات الدول الزمنية: فالاقتصاد المزدهر عادةً ما يكون علامة جيدة. ومع ذلك، في معظم السياقات، يبقى المستقبل غير مؤكد. فحتى المعلومات المفترضة الموضوعية يمكن أن تقدم إشارات متناقضة أو مربكة. وعليه، لا تزال الأهمية الحقيقية لمعدل النمو الاقتصادي في الصين أو أهمية الدولار الأمريكي للتجارة العالمية، على سبيل المثال، محل جدل كبير. بمعنى آخر، يمكن للمقاييس المادية أن تقلل من حالة عدم اليقين بشأن المستقبل إلى حد محدود.

وتتعامل النخبة في السياسة الخارجية مع هذا الغموض عن طريق صياغة روايات متماسكة حول ما إن كان المستقبل سيكون مواتٍ أو غير مواتٍ لمصالح بلادهم. ففي حين تعتمد الأيديولوجيات مثل الماركسية والليبرالية الدولية، على سبيل المثال، على رؤى للتقدم تقوم على صعود بعض الفاعلين بلا توقف نحو السلطة والازدهار، فإن الروايات الأكثر تشاؤماً تشمل دورات تاريخية من الصعود والهبوط، أو التدهور النهائي، والعنف، وإعادة الولادة.

عموماً، تتنوع الروايات الاستراتيجية حول المستقبل، لكنها عادةً ما تتخذ أحد شكلين تقريبيين: يرى الفاعلون ذوو التوقعات الإيجابية أن توزيع القوة في المستقبل سيكون أفضل لبلادهم مقارنة بالحاضر، بمعنى آخر، المستقبل مواتٍ، والأحداث ستكافئ الصبر الاستراتيجي. بينما يرى الفاعلون ذوو التوقعات السلبية أن توزيع القوة في المستقبل سيكون أسوأ لبلادهم مقارنة بالحاضر. هؤلاء الفاعلون يرون مستقبلاً غير مواتٍ وقد يشعرون بالحاجة لاتخاذ إجراءات فورية لدرء التدهور.


التطلع نحو المستقبل البعيد
لا تستطيع الحكومات المتشائمة التركيز كثيراً على المستقبل البعيد لأنها تعتقد أنه يجب عليها التحرك في الحاضر لتجنب عالم أكثر خطورة. في هذه الظروف، ما يهم هو ما يُعرف بالقدرات الحركية —أدوات السياسة التي يمكن استخدامها فوراً لتغيير الحقائق على الأرض بأسرع ما يمكن–. لذا، سيركز قادة هذه الدول معظم اهتمامهم على الموارد العسكرية والاقتصادية الحالية، وعلى الجهود النشطة لزيادتها. قد يلاحظ هؤلاء القادة المبادرات التي تقوم بها دول أخرى لتعزيز قوتها الناعمة أو تطوير شبكات أو مؤسسات بديلة، لكنها ستثير اهتماماً أقل لديهم، فالقادة الذين يركزون على الحاضر لن يعطوا الأولوية لمثل هذه التهديدات طويلة المدى.

في المقابل، تتمتع الحكومات التي لديها توقعات إيجابية بشأن المستقبل بثقة في استمرار صعودها الوطني. وهذا يتيح أفقاً زمنياً أطول، مما يسمح لصانعي السياسات بالاستثمار في أشكال القوة التي تستغرق وقتاً أطول لتؤتي ثمارها: الحوكمة العالمية، الدبلوماسية الثقافية، التحالفات والشراكات طويلة الأمد، الابتكارات التكنولوجية الطموحة، وما إلى ذلك. إذ تتطلب هذه الأشكال من القوة استثمارات كبيرة ووقتاً لتطويرها، لكن مكافآتها كبيرة. كما أن التوقعات المتفائلة تعني أن هذه الدول يمكنها تطبيق تعريف طموح للقوة عند تقييم قدرات الآخرين. ويمكن ملاحظة ما تفعله القوى الكبرى الأخرى في العديد من أبعاد القوة، وليس القوة العسكرية فقط. كما أوضح عالم الاجتماع ستيفن لوكس Steven Lukes: "كلما اتسع نطاق ما يُحتسب على أنه قوة وفقاً لإطارك المفاهيمي، كلما تمكنت من رؤية المزيد من القوة في العالم".

إن مدى تفاؤل أو تشاؤم القوى الكبرى بشأن المستقبل له تأثيرات عميقة في استراتيجياتها الحالية. فعالم فيه قوى كبرى متفائلة سيكون فيه ساحات مواجهة قليلة الحروب. وستستثمر هذه القوى الكبرى الواثقة في موارد تهدف إلى الجذب والإكراه معاً، مما يشير إلى عالم متنازع عليه لكنه مسالم نسبياً. أما عالم القوى الكبرى المتشائمة، فسيؤدي إلى التركيز على القدرات العسكرية وإغراء الانخراط في أعمال وقائية، وستكون النزاعات المسلحة أكثر احتمالاً في عالم متشائم، حيث يكون دور القوة في أقصى أهميته.

وعند البحث في الديناميكية بين قوة صاعدة وأخرى راسخة، فإنه بالنسبة لكلا الفاعلين، سيغير الاعتقاد بأن أياماَ أفضل قادمة إدراكهم للتهديدات. بالنسبة للقوة الصاعدة، يجعل هذا التفاؤل الاستثمار الفوري في القدرات العسكرية يبدو غير ضروري، لأنه قد ينطوي على خطر إثارة صراع غير مطلوب، فأي شيء قد يثير رد فعل وقائي من القوى الراسخة غير مرغوب فيه. ولماذا ستخاطر بزعزعة الوضع القائم المقبول إن كانت الخطوات التصحيحية ستكون أسهل في المستقبل، عندما يكون توزيع القوة أكثر ملاءمة؟

كما يجعل التفاؤل القوة الراسخة أقل ميلاً لاستخدام القوة عند مواجهة منافس صاعد، والذي قد تبدو جهوده لتحدي النظام الأمني القائم أشبه بأعمال تخريب ذاتي أكثر منها تهديداً حقيقياً. وبهذا، تتخذ القوى المهيمنة المتفائلة بعض الإجراءات الوقائية لضمان عدم قدرة القوى غير القانعة على تهديد مصالحها الأمنية الأساسية، لكنها تركز أساساً على دفع الدول الصغيرة لقبول القواعد القائمة للعبة. فيما تولي القوى الراسخة ذات الآفاق الزمنية الطويلة اهتماماً أكبر للقوى الصاعدة التي تستثمر في القدرات غير العسكرية، مثل القوة الناعمة، التي قد تشكل مخاطر حقيقية على المدى البعيد.

قدمت التسعينيات مثالاً جيداً لهذه الديناميكيات. حيث استوعب صانعو السياسات الأمريكية أطروحة "نهاية التاريخ" للعالم السياسي فرانسيس فوكوياما، التي تفترض أنه لم يعد هناك أي منافسين أيديولوجيين عالميين للديمقراطية الليبرالية والسوق الحرة. كما عززت الحجة التي طرحها ناي بأن الولايات المتحدة تمتلك فائضاً من القوة الناعمة من هذا التفاؤل. وزادت الثقة الأمريكية أيضاً بفضل الإيمان بالديمقراطية وما يُعرف بتوافق واشنطن حول التنمية الاقتصادية النيوليبرالية. وبفضل هذا التفاؤل، لم يكن من المستغرب أن تختار الولايات المتحدة الانخراط بدل المواجهة مع منافسين محتملين مثل الصين.

لم يكن من المستغرب أيضاً أن ترحب الصين بهذا الانخراط. من خلال احتضان العولمة، حيث شهد اقتصاد الصين نمواً استثنائياً. وكانت توقعات بكين للمستقبل إيجابية أيضاً، ممثلة بالنصيحة الحذرة للقائد الصيني دنغ شياو بينغ للبلاد: "راقب بهدوء، ثبتت موقعك، تعامل مع الأمور بهدوء، أخف قدراتك وانتظر الوقت المناسب، كن بارعاً في الحفاظ التواضع الشخصي، ولا تَدّعِ القيادة أبداً". حيث كان للصين أسباب وجيهة تدفع بعيداً عن متابعة أهداف متمردة صريحة خلال هذه الفترة، لأنها كانت تتوقع مستقبلاً مشرقاً. لم يكن من مصلحة الصين تحدي النظام الدولي الليبرالي مباشرة، إذ قد يعني ذلك حرمانها من فوائده. لذلك، استثمرت كل من بكين وواشنطن أكثر في الحوكمة العالمية طويلة المدى والقوة الناعمة. رغم أن القوة العسكرية موجودة دائماً، لكنها لم تكن الخيار السياسي الأول لأي من القوتين الكبريين.

في المقابل، فإن عالماً تتوقع فيه القوى الكبرى مستقبلاً متشائماً سيكون أكثر خطورة بكثير. في هذه الحالة، سيركز الفاعلون على القدرات العسكرية قبل كل شيء. على عكس أشكال القوة الأخرى، يمكن نشر القوة العسكرية بسرعة خلال الأزمات. وقد تختار القوة الصاعدة، خوفاً من نافذة محدودة للصعود، الحصول على الموارد العسكرية لتعظيم ميزتها المؤقتة ومنعها من التخلف مرة أخرى. أما قوى الهيمنة الراسخة، التي تخشى أيضاً مستقبلاً متراجعاً، فقد تتصرف سلباً وتسرّع نزاعاً عسكرياً اعتقاداً منها بأن قوتها ستتناقص مع مرور الوقت. فبالنسبة لدولتين متشائمتين، سيزيد التأخير في الحسم العسكري من خطر الكارثة.

المثال الكلاسيكي لتطبيق هذه الديناميكية هو ما سبق الحرب العالمية الأولى. عشية هذا الصراع، كانت المملكة المتحدة أقوى دولة في العالم. ومع ذلك، كان صانعو السياسات البريطانيون قلقين للغاية بشأن صعود ألمانيا الويليمية السريع، خصوصاً توسعها البحري. بدورها، كانت برلين تتوقع مستقبلاً سلبياً نظراً للتراكم الأسرع للقوة لدى روسيا. وبحلول عام 1912، خاف قادة الأركان العامة البروس من أن قدرات روسيا ستصبح في أقل من خمس سنوات كبيرة جداً لمواجهتها. أدى ذلك إلى دفع الاستراتيجيين الألمان للدعوة إلى شن حرب وقائية قبل أن تُغلق نافذة ألمانيا للسيطرة على أوروبا القارية. باختصار، كانت أوروبا مستهلكة بالتشاؤم. لذا، انخرطت جميع القوى الكبرى في استراتيجيات تسلح محمومة، ومعظمها في حروب تجارية. وتم تشبيه هذا الوضع بالغابة المورقة المليئة بالأخشاب الجافة، حيث كل ما يلزم هو شرارة عشوائية —اغتيال دوق— لإشعال النار.


عصر التشاؤم
خلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، واصلت الصين التصرف كقوة كبرى متفائلة. كان الاقتصاد الصيني ينمو بسرعة، وبيئة الأمن في بكين تتحسن، وأصبح مواطنو البلاد أكثر تعليماً من أي وقت مضى. (وحتى اليوم، تشير استطلاعات الرأي العام إلى أن الصينيين أكثر تفاؤلاً بشأن المستقبل وأكثر ثقة بأن بلادهم تتجه في الاتجاه الصحيح مقارنة بأي اقتصاد رئيس آخر). عزّز هذا الإحساس بالثقة الصبر الاستراتيجي والتركيز على المدى الطويل. فرعت بكين معاهد كونفوشيوس في الخارج لتعزيز صورتها وقوتها الناعمة، واستثمرت في استراتيجية دبلوماسية طويلة الأمد للحد من الاعتراف الدولي بتايوان. كما طورت قضايا متفرقة لتلعب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضد بعضهما البعض، كل ذلك مع تعزيز حسن النية في "عالم الجنوب". كما بدأت الصين في إنشاء هياكل للحوكمة العالمية يمكن أن تتحدى النظام الدولي الليبرالي، بما في ذلك بنك التنمية الجديد، وبنك الاستثمار في البنية التحتية الآسيوي، ومبادرة الحزام والطريق.

في نفس الفترة، تدهورت توقعات الولايات المتحدة. فقد هزت هجمات 11 أيلول/سبتمبر، والحرب الكارثية على العراق، والأزمة المالية لعام 2008، ثقة الأمريكيين في المستقبل. وفقاً لبيانات استطلاع غالوب، كانت آخر مرة اعتقد فيها غالبية المستجيبين الأمريكيين أن بلادهم تتجه في الاتجاه الصحيح هي كانون الثاني/يناير 2004. كما أن استعراضاً سريعاً لخطابات التنصيب الرئاسية الأخيرة يلمح إلى تصاعد هذا التشاؤم. ففي 2009، وسط أزمة اقتصادية وحرب، شدّد الرئيس الأمريكي باراك أوباما على ضرورة "البدء من جديد في مهمة إعادة صنع أمريكا". وكان خطاب الرئيس دونالد ترامب في 2017 أكثر مبالغة، إذ شجب "المجزرة الأمريكية" في السنوات الثماني السابقة ووعد بـ "حماية حدودنا من ويلات دول أخرى تصنع منتجاتنا، وتسرق شركاتنا، وتدمر وظائفنا". وفي خطاب التنصيب عام 2021، أقر الرئيس جو بايدن بأن "قليلاً من الفترات في تاريخ أمتنا كانت أكثر تحدياً أو صعوبة من الفترة التي نحن فيها الآن".

على الرغم من تزايد التشاؤم الأمريكي، نجحت الصين إلى حد كبير في تجنب المواجهة. من خلال الانضمام إلى "الحرب على الإرهاب" التي قادتها الولايات المتحدة، وتمكنت الصين من الصعود بينما كانت الولايات المتحدة تركز على الأخطار الأكثر إلحاحاً. كما كانت الصين صبورة بما يكفي للاستثمار في هياكل الحوكمة العالمية التي لم يعتبرها العديد من المسؤولين الأمريكيين تهديدات وشيكة. وبدا مستقبل بكين مشرقاً، فلم تشعر بالحاجة لمواجهة الهيمنة الأمريكية فوراً، وكان على الصين الانتظار فقط حتى يحين الوقت المناسب.

مع ذلك، بدأ تفاؤل بكين يتراجع مع استحواذ الزعيم الصيني شي جينبينغ على السلطة. فقد سجلت الصين معدلات ولادة أقل مما كانت عليه منذ 30 عاماً، وفشلت الجهود الحكومية الأخيرة لتعزيز هذه الأرقام. وسجلت الصين أبطأ معدل نمو سكاني سنوي منذ عقود، وانخفض عدد العمال المهاجرين في 2020 لأول مرة منذ بدء جمع البيانات. مقارنة بالولايات المتحدة، تواجه الصين أزمة ديموغرافية شديدة. ويبدو من المحتمل الآن أن تشيخ البلاد قبل أن تصبح غنية. في الوقت نفسه، أدت سياسات الصين الصارمة المتعلقة بـ "صفر كوفيد" إلى تدهور الرأي العام في المناطق الحضرية مثل بكين وشنغهاي.

كما أصبح المستقبل الاقتصادي للصين أكثر تشاؤماً في السنوات الأخيرة. على الرغم من النمو الاستثنائي بين 2000 و2010، فقد كان التباطؤ خلال العقد الماضي حاداً بنفس القدر. إذ انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي من ذروة 14٪ في 2007 إلى حوالي 2٪ في 2020. كما انخفض إجمالي نمو الإنتاجية إلى النصف منذ الأزمة المالية لعام 2008، مما دفع عالم السياسة ديني روي Denny Roy لوصف الصين بأنها "قوة عظمى منخفضة الإنتاجية". علاوة على ذلك، تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي للصين ما يقرب من ثلاثة أضعاف تلك الخاصة بالولايات المتحدة. ويبدو أن نمو الاقتصاد المستقبلي أقل وعداً نظرًا لفشل جهود الإصلاح تحت قيادة شي. كما لاحظ الاقتصادي دانييل روزن Daniel Rosen في هذه الصفحات عام 2021: "يشير تقييم صادق للانتكاسات الأخيرة إلى أن الوقت ينفد … ليس هناك سوى بضع سنوات لصالح الصين للتحرك قبل أن ينضب النمو".

تشكل هذه الاتجاهات سبباً للقلق. إذ ستكون العلاقات بين الدول الأقل استقراراً عندما تتبنى جميع القوى الرائدة توقعات متشائمة —وهي حالة قد تصف العقد القادم ]الحالي[ من سياسة القوى الكبرى –. فقد اعتمدت كل من الصين والولايات المتحدة وجهات نظر سلبية عن العالم، وهناك سبب للخوف من أن تتزايد سوداويتها أكثر. كما أن كلا البلدين يشهدان شيخوخة سكانية. وأصبح الهجرة إلى الولايات المتحدة، المصدر التقليدي للقوة الديموغرافية، متوقفة وفقاً لمكتب الإحصاء الأمريكي. ووفقاً لأحد التقديرات، هناك حالياً 1.8 مليون مهاجر أقل من الفئة العمرية العاملة في الولايات المتحدة مقارنة بما كان سيكون موجوداً لو استمرت اتجاهات الهجرة قبل 2020. والأسوأ من ذلك، أن الصدمات النظامية المستمرة —جائحة كوفيد-19، الاضطرابات المالية، اختناقات سلسلة التوريد العالمية، الاستقطاب السياسي— ستزيد من عقلية الأزمة التي تدعو للتفكير قصير المدى.


التطلع نحو الجانب المشرق
التشاؤم أيضاً هو عامل رئيس في الحرب في أوكرانيا. فعلى الرغم من كل حديثه عن استعادة عظمة روسيا، يتبنى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رؤية تشاؤمية للعالم، وهذا يفسر قراره بغزو أوكرانيا. لقد فشلت التدخلات الروسية في 2014 في القرم وأوكرانيا الشرقية بشكل كبير. فبدلاً من العودة إلى الحظيرة الروسية، استجابت أوكرانيا بتعزيز قدراتها العسكرية واقترابها أكثر من الناتو والاتحاد الأوروبي. ومع تسارع انجراف أوكرانيا غرباً، شعر بوتين بضرورة التحرك سريعاً —وبالقوة العسكرية— قبل أن تهرب كييف تماماً من نفوذ روسيا. وكما أوضح مسؤول غربي استخباراتي لبي بي سي، شعر بوتين "كما لو أن نافذة الفرصة تغلق أمامه".

وغذّى مسار الحرب المفاجئ على الأرجح تشاؤم بوتين —وشجع أيضاً التشاؤم في بكين–. ربما توقع المسؤولون الصينيون استجابة غربية مجزأة وغير فعّالة تجاه حرب روسيا. وليس من المستغرب موافقة شي على "صداقة بلا حدود" مع بوتين قبل الغزو. لكن مع مرور أشهر الحرب، بدا موقف الصين أكثر ضعفاً. فقد ترك دعم بكين لروسيا جيرانها الآسيويين أكثر حذراً تجاه النوايا الصينية. علاوة على ذلك، ولمساعدة أوكرانيا، أطلقت الولايات المتحدة وحلفاؤها مجموعة من الإجراءات الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية التي حدت بشدة من قدرات روسيا. لا يمكن للمسؤولين الصينيين النظر إلى الصعوبات التي تواجهها روسيا في إخضاع جارتها دون التفكير في أوجه الشبه مع تايوان. وإن كان شي يخشى أن نافذة الفرصة للقيام بالتوحيد القسري تغلق، فقد يتصرف بشكل وقائي.

يبقى السؤال الأساسي هو ما إن كانت الحرب في أوكرانيا ستدفع الولايات المتحدة إلى تبني توقعات أكثر إيجابية بشأن مستقبلها. فعلى مدى العقدين الماضيين، أضعفت الهجمات الإرهابية والأزمات المالية والاستقطاب السياسي التفاؤل الأمريكي. ويهدد التضخم المتصاعد ونقص السلع بتفاقم التشاؤم الأمريكي أكثر فأكثر. وإن خاف صانعو السياسات من تراجع قوة وتأثير البلاد، فإن احتمال نشوب حرب بين القوى الكبرى سيرتفع بشكل كبير.

مع ذلك، قد يكون دعم الولايات المتحدة الناجح لأوكرانيا نقطة تحول. فلأول مرة منذ سنوات، أظهرت الولايات المتحدة كفاءة سياسية خلال أزمة عالمية. وقد ذكّرت المقاومة الشرسة لأوكرانيا وانتماؤها لأوروبا والولايات المتحدة الجميع، بما في ذلك الأمريكيين، بأن القوة الناعمة والقوة الهيكلية للولايات المتحدة ما تزال قائمة. وبعد عقود من الخطاب حول تراجع الولايات المتحدة وانكماش الديمقراطية، يمكن الآن لصانعي السياسات الأمريكيين التحدث عن تحالفات مستعادة وعزم على تعزيز النظام الدولي الليبرالي. وربما بدأت تصورات الهيمنة الأمريكية تتغير باتجاه أكثر إيجابية.

وفي حال اعتقد المسؤولون الأمريكيون أن المستقبل سيكون أكثر إيجابية من الحاضر، فقد يتمكنون من التركيز على تعزيز النظام الدولي الليبرالي الذي خدم مصالح الولايات المتحدة لعقود. ومع اهتمام أقل بالتهديدات الفورية، قد تتمكن واشنطن من إعادة التأكيد على الأهداف طويلة الأمد، مثل عكس تراجع الديمقراطية وبناء مجموعة مرنة من القواعد للاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من تصاعد التشاؤم الصيني، يمكن للولايات المتحدة القوية، الواثقة في مستقبلها ودورها في العالم، أن تستعيد موقعها التاريخي داخل النظام الدولي. وعليه، ستعزز الولايات المتحدة المتفائلة المؤسسات الدولية وتوفر جسراً للدول في عالم الجنوب —بما في ذلك الصين— التي ترغب في الانضمام إلى النظام بصفتها أصحاب مصلحة مسؤولة. ومع ذلك، إن استسلمت القوى الكبرى للتشاؤم، فلن يكون هناك ضمان لأي شيء، وسيمر العالم بعقد خطير.



النص الأصلي منشور في مجلة Foreign Affairs، بتاريخ 21/7/2022، على الرابط التالي:
https://www.foreignaffairs.com/articles/world/2022-06-21/perils-pessimism-anxious-nations
بواسطة عبد الملك الشاوي - زايد نفرة - عبد الهادي شحادة ١٨ أغسطس ٢٠٢٦
النوع : مشروع تخرج الدرجة : الإجازة في العلوم السياسية الكلية : العلوم السياسية الجامعة : جامعة الشام العالمية - سورية الطلاب : عبد الملك الشاوي، زايد نفرة، عبد الهادي شحادة المشرف : د. عبد القادر نعناع التاريخ : آب/أغسطس 2026 يتناول هذا البحث إدارة التنوع الهوياتي في دول ما بعد النزاع، من خلال دراسة مقارنة لتجارب لبنان والبوسنة والهرسك ورواندا وسيراليون، بهدف تحليل أثر اختلاف أنماط إدارة التنوع في مستوى الاستقرار السياسي. وينطلق البحث من فرضية مفادها أن الاستقرار يصبح أكثر رسوخًا كلما نجحت ترتيبات ما بعد النزاع في ضمان مشاركة الجماعات وحمايتها من الإقصاء، مع تجنب تثبيت الانتماءات الهوياتية بوصفها أساسًا دائمًا للمنافسة السياسية أو إنكارها بصورة تحد من الاعتراف والمشاركة. اعتمد البحث المنهج المقارن، وحلل الأنماط المعتمدة في الحالات الأربع، وهي تقاسم السلطة الطائفي في لبنان، وتقاسم السلطة الإثني واللامركزية في البوسنة والهرسك، وبناء الهوية الوطنية الجامعة في رواندا، وإعادة بناء الدولة واللامركزية والعدالة الانتقالية في سيراليون. كما قورنت نتائج هذه الأنماط خلال الفترة 2006–2023 بالاستناد إلى سبعة مؤشرات من مؤشر الدول الهشة. وأظهرت النتائج عدم وجود نموذج واحد صالح لجميع دول ما بعد النزاع، وأن نجاح إدارة التنوع يرتبط بمدى ملاءمة الأداة لطبيعة الانقسام، وقدرة الدولة المؤسسية، وإمكان الانتقال من ضمانات ما بعد النزاع إلى مؤسسات تقوم على المواطنة والمساءلة وسيادة القانون. كما بينت الدراسة أن تثبيت الهويات سياسيًا أو إنكارها كليًا قد يؤديان، كل بطريقته، إلى استمرار مصادر الهشاشة. 
بواسطة صفوت خان شيخوني - ماجد العلي - مصطفى ضروبة ٧ أغسطس ٢٠٢٦
النوع : مشروع تخرج الدرجة : دبلوم مهني العلوم السياسية الكلية : العلوم السياسية الجامعة : جامعة إدلب - سورية الطلاب : صفوت شيخوني، ماجد العلي، مصطفى ضروبة المشرف : د. عبد القادر نعناع التاريخ : حزيران/يونيو 2026 تهدف الدراسة إلى تحليل تحولات المواقف الإقليمية تجاه سورية بين عامي (2021-2025)، معتبرة سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024 نقطة تحول استراتيجية نقلت التنافس الإقليمي من إدارة القضية إلى هندسة النظام الجديد وتوزيع النفوذ داخله. واعتمدت على منهج دراسة الحالة والمقارنة وتحليل المضمون، مستندة إلى نظرية مركب الأمن الإقليمي ومزيج من مراجع أكاديمية ومصادر أولية حديثة لتعويض حداثة الموضوع وندرة التراكم العلمي حوله. وتكشف النتائج أن المرحلة السابقة تميزت بتعدد المسارات: تطبيع عربي حذر، واحتواء أمني، وردع ضد التمدد الإيراني، وإدارة تركية للصراع من الشمال. وبعد السقوط، برزت إعادة تموضع سريعة: تصاعد الدور التركي، ودعم سعودي-قطري للمسار الانتقالي، وانخراط إماراتي حذر، وتركيز أردني على الأمن الحدودي، مقابل تراجع النفوذ الإيراني وتبني إسرائيل سياسة أمنية أحادية تهدف لإبقاء سورية منزوعة التهديد. وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل سورية الإقليمي مرهون بقدرة الدولة الجديدة على استعادة مركز القرار الوطني، وترسيخ السيادة، وتحييد التنافس الخارجي عبر مؤسسات مستقرة
بواسطة Dr. ABD ALQADER NANAA ٦ أغسطس ٢٠٢٦
Authoritarian regimes share a common underlying mindset: the monopolization of political power and the appropriation of benefits and privileges. In this respect, they differ little from one another. Their differences lie not in their objectives, but in the instruments and mechanisms they employ to achieve them. Some authoritarian regimes prefer to broaden the distribution of patronage by expanding clientelist networks, particularly those that possess surplus resources enabling them to co-opt segments of the elite or sections of society. While this strategy may temporarily secure political acquiescence, it simultaneously raises the expectations of beneficiaries and intensifies their demands on the ruling authority. Other authoritarian regimes, especially those operating in resource-constrained environments, tend instead to rely on coercion or even outright violence, viewing repression as less costly than expanding the distribution of material benefits. Such an approach, however, further erodes their already limited legitimacy and contributes to growing social unrest and political instability. Every authoritarian regime also requires a set of "moral" justifications to legitimize its domination, regardless of the validity or sincerity of these claims. Such justifications may be nationalist, ideological, or religious in nature. Unlike totalitarian regimes, however, authoritarian systems are not necessarily committed to realizing the substantive goals embodied in these narratives; rather, these narratives function primarily as instruments of political legitimation. Other regimes manufacture an enemy—real or imagined, internal or external—in order both to mobilize public support and to justify repression and the use of force. The inclination toward authoritarianism is a characteristic of many political systems, particularly where no effective opposition forces exist that are capable of mobilizing society against the ruling authority. It is further reinforced when the prevailing political culture itself reproduces authoritarian values. Societies with a long legacy of authoritarian rule are likewise more predisposed to accepting the re-emergence of authoritarian governance, regardless of their broader cultural characteristics. Moreover, impoverished and unstable societies often display a stronger preference for effective authority than for more democratic forms of governance. In this sense, authoritarianism emerges to fill structural voids within society and subsequently derives its resilience from them: the absence of organized political forces, the absence of a democratic political culture, the absence of meaningful political participation, and the absence of security. 
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٣ أغسطس ٢٠٢٦
د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة شام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تشهد كثير من مجتمعات ما بعد النزاع مرحلة انتقال سياسي، تشمل العديد من الخطوات المجدولة زمانياً وبرامجياً، قبل الوصول إلى المرحلة التالية. في هذه المرحلة المبكرة من الانتقال، ترتفع الآمال لدى المجتمع في التخلص من الإرث الاستبدادي، وإحداث انتقال ديموقراطي، خصوصاً في حال ترافقت هذه المرحلة بثورة سابقة أطاحت بنظام استبدادي، ويبدو أن هذا ما تشهده الحالة السورية بالغة التعقيد، والتي تتداخل فيها عوامل محلية وخارجية كثيرة. تشمل هذه المرحلة غالباً مجموعة من الإشكاليات، تتمثل في تعدّد أو غياب البرامج والقوى السياسية، وإشكاليات تتعلق بالعدالة الانتقالية، والنزعة التسلطية النكوصية، وإعادة الإعمار، وتحسين المستوى المعاشي، وإطلاق الحريات السياسية والحياة السياسية، عدا عن إشكاليات تتعلق بالنفوذ الخارجي، وسواها العديد، نحاول مناقشته في هذه الورقة. إشكاليات الانتقال الديموقراطي في الحالة السورية تعتبر مرحلة ما بعد النزاع مرحلة بالغة الأهمية والخطورة معاً، إذ إن مسارها يحدد مستقبل الدولة تماماً، ونحن في سورية نقع ضمن سياق عربي يفرض ذاته علينا، وبالتالي نجد أن السياق العربي ذهب باتجاهات محدودة للغاية، فإما التحوّل نحو نظام استبدادي جديد (نكوص استبدادي)، وإما الذهاب إلى اقتتالات محلية جديدة، أو الجمع بين الاقتتال والتفتيت كما في السودان واليمن. نحتاج هذا السياق لنفهم المشهد السوري المقبل، فلن نكون خارجه أبداً، وخصوصاً أن ثقافتنا السياسية تتفق مع سياقنا العربي. عموماً، حتى نضبط مستقبلنا، علينا ضبط المرحلة الانتقالية. هذا الضبط، مسؤولية في ثلاثة اتجاهات، من السلطة، ومن النخب غير الحكومية، ومن المجتمع. لنفترض أننا منطقياً نتطلع إلى مستقبل ديموقراطي (وهو افتراض آمل أن يكون صحيحاً)، وهو افتراض قائم على أساس أن هذا الانتقال هو الأقل كلفة والأكثر قدرة على إدارة التنوع الهوياتي وإدارة النزاعات المحلية، وأكثر استدامة وأماناً لمستقبلنا. هذا يشترط كثيراً من المقدمات التي تبدو غائبة حتى الآن. إذ لا يمكن الوصول إلى هذا الهدف، في ظل عدم تصالح اجتماعي سوري. هذا التصالح لن يتم قبل مسار إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي، تجعل الضحايا أو ذويهم مقتنعين بأن المجرمين الحقيقين ستتم محاسبتهم. أي أن شرط نسيان آلام الماضي (من شروط بناء الأمم بعد النزاع) غائب عنا حتى الآن، ما يؤدي إلى تغذية مسار عكسي يتمثل في عدالة انتقامية فردية نتيجة خيبة الأمل التي تطال الضحايا وذويهم، وبالتالي عملية التصالح المطلوبة تبتعد أكثر فأكثر نتيجة إنتاج مظلوميات جديدة، تحضّر المشهد السوري لاحتمال اندلاع عنف محلي جديد. أما المدخل الثاني، فهو كرامة الأفراد معيشياً، فلن تستطيع الديموقراطية الانتقالية الصمود أمام حالة الفقر التي تطال غالبية السوريين (قرابة 80%)، ففيما ينشغل الأفراد في البحث عن قوت يومهم، لن يبقى لديهم أدنى اهتمام بالشأن العام، في ظلّ مدن يصل التهديم في بعضها إلى أكثر من 50%، فكيف يمكن إطلاق مسار ديموقراطي في ظل غياب الكرامة الفردية بالأساس، عدا عن وجود مئات آلاف السوريين في المخيمات، وملايين منهم في دول الشتات. ثم إن من الاشتراطات المهمة، هي تفعيل المواطنة الإيجابية، أي تلك التي تُحمِّل المواطن ذاته مسؤولية إدارة شأنه، وبالتالي تجعله شريكاً في بناء المستقبل، وهذا يتطلب حداً مقبولاً من اللامركزية، فيما نشهد حالة ضبابية بين مركزية مفرطة في ظل نظام رئاسي مفرط، مع حالات غير مضبوطة تشريعياً من اللامركزية. أي أن على السلطة والنخب معاً، الدفع باتجاه العدالة الانتقالية الحقيقة، ورفع مستوى المعيشة، وإطلاق مسار إعادة الإعمار التي تطال البنى التحتية والمساكن (وليس الفنادق والمشاريع الترفيهية)، وتعزيز اللامركزية، وإطلاق الحياة السياسة والحريات السياسة، حتى نضمن أن مسار الانتقال الحالي يسير باتجاه صحيح. بالنتيجة، لا يمكن بناء ديمقراطية فوق أنقاض العدالة، ولا فوق مجتمع يبحث عن رغيف الخبز، أو من خيم النازحين. وخطابي هنا للسلطة ذاتها، فالديموقراطية المترافقة بالعدالة والحريات هي ضمان لنا جميعاً في هذه البلاد من أي نكوص استبدادي، ولا مبرّر لتأجيلها، بل علينا البدء بها ولو تدريجياً، وعلى مراحل تتفق مع سياقنا. إشكالية العنف في المرحلة الانتقالية إن تحوّل العنف إلى سلوك معتاد أو مقبول اجتماعي، هو نتيجة ما ذكرناه: غياب العدالة الانتقالية من جهة، وضعف التشريعات القانونية أو عدم مواءمتها للتطورات من جهة ثانية، واستمرار الفساد من جهة ثالثة، وغياب الانتماء إلى المرحلة الانتقالية من جهة رابعة. كذلك الشعور لدى جماعات أو أفراد بأن هناك استئثاراً من قبل جماعة واحدة بالسلطة والمنافع والمناصب والقرارات. أي ما يمكن التعبير عنه بأزمات الهوية والمشاركة السياسية والتوزيع والانتشار والشرعية، وهي كلها أزمات مراحل التحديث. يضاف إلى ذلك، خطاب الكراهية المسكوت عنه، ما يعزّز حالة الانقسام الاجتماعي، ويهدم جسور التواصل الممكنة بين المكونات السورية، ويدفعها لمواجهة بعضها البعض (فردياً أو جماعياً). عدا عن إشكالية الخطاب الأيديولوجي الذي يحاول إعادة بناء الهوية الثقافية السورية باتجاه متشدد، يرفض التنوع الثقافي السوري ويهدمه، ما يعزز حالة الاحتقان، وقد يدفع باتجاه أشكال معينة من العنف المحلي. ثم إن السكوت عن العنف الفردي في العديد من الحالات، بحجة أنه موجّه تجاه "شبيحة أو فلول"، هو بشكل أو بآخر هدم لوظيفة السلطة والقانون، وإقرار بأحقية استخدام الأفراد لهذا العنف. ولن يمكن الخروج من ذلك، إلا بضبط الخطابات، ومحاسبة المجرمين ومحاسبة الذين يلجؤون إلى ما بات يعرف بالعدالة الانتقامية. لكن حتى لا يتحول ذلك إلى أداة تسلطية، فنحن نحتاج إلى منظومة قانونية تحمي حقوق الأفراد وحرياتهم. وربما تكون هذه مسؤولية أكبر على السلطة ذاتها، وإن كانت مسؤولية كل القوى الأخرى. إشكالية غياب المشروع السياسي الانتقالي حتى الآن لا نستطيع أن نحدد مشروعاً انتقالياً في سورية، اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، وليس سياسياً فقط. سياسياً، يبدو أن السلطة منشغلة بترسيخ البنى السلطوية أولاً، عبر كثير من الأدوات، وأبرزها الاستحواذ البيروقراطي (أي إعادة إنتاج البنية البيروقراطية بشكل يتفق مع مسارات السلطة)، وتغييب البيئة المنتجة للديموقراطية (الأحزاب، الانتخابات الحقيقية، الإعلام المستقل). لكن أدوات ذلك الترسيخ السلطوي ما تزال غير منضبطة، ما يجعلنا أمام احتمال إنتاج استبدادية هشة في المرحلة القادمة. أما على باقي المستويات، فلا نستطيع تحديد برنامج عمل واضح يمكن البناء عليه، والتنبؤ بمساراته، ومحاسبة السلطة عليه. يترافق ذلك مع غياب الشفافية في الإنفاق العام والتوظيف وصنع السياسات. تكمن الفرصة هنا أمام السلطة الانتقالية، في الاستماع للنخب من خارج السلطة أولاً، والبحث عن كفاءات من خارج المنظومة السياسية السلطوية ثانياً، أي البدء بمسار المشاركة السياسية، وبناء برنامج واضح وشفاف وشامل لكل وزارات الدولة، وبشكل مترابط، يجعل المواطن مطمئناً ومراقباً إيجابياً لمسار مستقبله. ذلك ممكن تدريجياً، حتى لا نقع تحت رحمة فرضية الأمن أو الحرية، فكلاهما ضروري، وكلاهما بحاجة بعضهما البعض. لذا، هي دعوة للسلطة، لإعادة إنتاج ذاتها وخطابها ورؤيتها. ومن الضرورات أيضاً، العمل على إطلاق الحياة السياسة المترافقة مع مؤتمر حوار وطني، يُنتِج عقداً اجتماعياً متوافقاً حوله، يكون أساساً لدستور ما بعد انتقالي، ولحياة سياسية مستقرة في البلاد. الإشكال الدولي في المشهد الانتقالي ما يزال الملف السوري ملفاً دولياً، ضمن التنافس الدولي على الشرق الأوسط، فما حصل منذ عام 2023 هو صراع مباشر بين المشروعين الإسرائيلي والإيراني، ومنذ اغتيال قادات حزب الله، بدا أن الشرق "الأوسط الإيراني" يزول، لصالح فراغ استراتيجي ستسعى إسرائيل لملئه في عملية تشكيل "شرق أوسط إسرائيلي". وهنا أقصد الهيمنة الإسرائيلية عوضاً عن الإيرانية، وكان لابد من التخلص من أدوات إيران في سورية "نظام الأسد" لإطلاق حملة عسكرية واسعة على المشروع الإيراني في الشرق الأوسط وحصره داخل الجغرافي الإيرانية وهذا ما نراه حتى اليوم. في المقابل يتبلور تنافس جديد أطرافه هي ذاتها السابقة، لكن التنافس يشتد بين تركيا وإسرائيل (القوى الإقليمية المؤثرة في الملف السوري)، فيما تكون سورية في مرحلة شد بين الطرفين. أعتقد أن القوى الخارجية توكل للسلطة الانتقالية وظائف عديدة، منها إدارة المشهد السوري، ضمن هذا التنافس، وما الانفتاح الدولي عليها إلا ضرورة لأداء الوظائف المناطة به. ومن تلك الوظائف أيضاً مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات في سورية، والمساهمة في تصفية المشروع الإيراني في الشرق الأوسط، وإحداث استقرار إلى حين الوصول إلى تسويات دولية بخصوص المنطقة بأسرها ما بعد الانتهاء من الملف الإيراني، سواءً أكانت تسويات سلمية أو غير ذلك. هذا الانفتاح قد يشكل فرصة لتعزيز الاستقرار في سورية، لكنه يتطلب اشتراطات محلية أيضاً، منها ما ذكرناه سابقاً، لناحية المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية، وإطلاق مسار انتقال سياسي حقيقي، وهذه لا تعني القوى الخارجية، طالما أن السلطة الانتقالية قادرة على أداء الوظائف المناطة بها. وهنا قد يبدو لنا أن الملف الخارجي أكثر نجاحاً، نتيجة ضبطه من الإرادة الدولية. وعموماً، قد تفضل بعض القوى الغربية، نظاماً قادراً على الضبط، ولو كان غير ديموقراطي، على نظام ديموقراطي يفتقد أدوات الضبط اللازمة. وهذه تتطلب موازنة أخرى بين الشرعية الداخلية والقبول الخارجي، وكلاهما ضروري للآخر. فالاستقرار المستدام لا يتحقق بالأمن وحده ولا بالاعتراف الخارجي وحده، بل ببناء شرعية داخلية تقوم على العدالة والمشاركة والمؤسسات. وهي دعوة للسلطة لإحداث هذه الموازنة. إشكالية السلطة التشريعية يبدو أن طموحاتنا كسوريين بانتقال سياسي حقيقي يقودنا نحو الديموقراطية، أكبر من واقعنا السوري السياسي والاجتماعي والسياسي، وخصوصاً أن سياقنا الثقافي والاجتماعي لا يساعدنا على الضغط باتجاه الدمقرطة حالياً، وهذا لا يعني إلغاء الانتقال الديموقراطي، بل يفرض مسؤولية أكبر علينا لتهيئة هذا السياق. في المقابل، ربما كان مقبولاً لفترة قصيرة في العام الأول من سقوط نظام الأسد، وجود سلطة تشريعية على هذه الشاكلة، لكن الإشكال حين يناط بهذه السلطة أن تكون حاضرة في كامل المرحلة الانتقالية المفترضة، فهي ليست سلطة تشريعية بالمعنى الحقيقي، أي إنها غير تمثيلية إذ لم ينتخبها الشعب السوري، فهي مفروضة (بشكل مباشر وغير مباشر) من السلطة التنفيذية، بل حتى إن صلاحياتها لا تتجاوز التصديق والموافقة على تشريعات السلطة التنفيذية، وهذا فعلياً يلغي دورها التشريعي والرقابي والمحاسبي، رغم وجود شخصيات داخل البرلمان القادم، قد تمتلك من الخبرات ما يكفي، لكنها لا تتشكل في برامج سياسية حزبية أو جماعية، ولا تمتلك صلاحيات التأثير الحقيقي. عدا عن نقطة بالغة الأهمية، هي أن ما يجعل السلطة التشريعية منضبطة وفعالة، طبيعة الجهة التي أوكلت إليها المهمة التمثيلية (أقصد الشعب)، لكنها هنا هي السلطة التنفيذية، فالتبعية للسلطة التنفيذية تبدو حتمية في هذا المشهد. وأقترح على السلطات الثلاث، رغم هيمنة السلطة التنفيذية عليها، أن تذهب باتجاه إحداث انتخابات شعبية مطلع العام القادم، لثلث أعضاء البرلمان، فيما يُنتّخب الثلث الثاني في نهايته، والثلث الثالث في نهاية المرحلة الانتقالية، وبذلك يكون لدينا مجلس تشريعي تمثيلي حقيقي، منتخب من قبل الشعب مباشرة، قادرة على نقل البلاد نحو المرحلة التالية. وعلى النواب بدورهم، إدراك حجم مهمتهم التاريخية، وألا يكونوا مجرد موظفين عموميين للتصديق على التشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية فقط، بل أن يدفعوا بدورهم نحو تشكيل كتل برلمانية قادرة على فرض ذاتها على السلطة التنفيذية، وفرض رؤيتها للمرحلة ما بعد الانتقالية، رغم أن هذه الرؤية غير واضحة حتى الآن. لا تعتبر هذه وحدها إشكاليات المرحلة الانتقالية في سورية، بل ربما أكثرها إلحاحاً، وهذه طبيعة المراحل الانتقالية في كثير من الحالات الدولية السابقة. لكن الركون إلى هذه الإشكاليات أو تجاوزها، قد يؤسس لبنيان هش غير قادر على الصمود أمام التحديات المستمرة في البيئة شرق الأوسطية، ما يتطلب منا جميعاً التكاتف لبناء مستقبلنا المشترك كما نرغب به.  منشور في مجلة الوعي السوري الصادرة عن الحركة الوطنية السورية العدد 43، آب/أغسطس 2026، ص 18-21
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٢ أغسطس ٢٠٢٦
تتشارك الأنظمة التسلطية بذات العقلية: الاستئثار بالسلطة والاستحواذ على المنافع، وهي لا تختلف فيما بينها حول هذه العقلية. لكنها تختلف في أدواتها ووسائل تحقيقها. إذ تفضل بعض الأنظمة التسلطية توسيع دائرة توزيع المنافع (توسيع الزبونية)، وخصوصاً تلك التي تمتلك فائضاً من الموارد، تستطيع من خلاله استرضاء بعض النخب أو فئات من الشعب، لكنه يزيد من تطلعات هذه الفئات وضغطها على السلطة. لذا تفضل أخرى اللجوء إلى القمع أو العنف حتى، وتعتبره أقل كلفة من توسيع عملية التوزيع، وخاصة في الدول ذات الموارد المحدودة، لكن ذلك يؤدي إلى تآكل الشرعية المحدودة أساساً، ويدفع نحو مزيد من الاضطرابات المجتمعية. ويحتاج كل نظام تسلطي إلى مبررات "أخلاقية" لتبرير تسلّطه، بغض النظر عن سلامة هذه المبررات، فقد تكون قومية، أو أيديولوجية، أو دينية، لكن لا يشترط أن يكون معنياً فعلياً بتحقيق هذه الغايات كما تفعل الأنظمة الشمولية، إنما هي مبررات لا أكثر. فيما تلجأ أخرى إلى صناعة عدو (حقيقي أو متخيل، داخلي أو خارجي)، بغرض التحشيد من جهة وتبرير القمع والعنف من جهة ثانية. إن الميل إلى التسلط هو طبيعة كثير من الأنظمة، خصوصاً إن لم تجد قوى سياسية مناهضة لها وقادرة على حشد الشارع خلفها، وأيضاً إن كانت الثقافة المحلية منتِجة هي بذاتها للاستبداد. كما أن المجتمعات التي لديها إرث استبدادي طويل هي أكثر ميلاً لتقبل إنتاج استبداد جديد، بغض النظر عن طبيعتها الثقافية أيضاً، عدا عن ميل المجتمعات الفقيرة والمضطربة إلى السلطة الأقوى منها إلى السلطة الأكثر ديموقراطية. أي إن الاستبداد يأتي لملء فراغات في المجتمع، ويتغذى على هذه الفراغات: فراغ وجود قوى سياسية منظمة، وفراغ ثقافي ديموقراطي، وفراغ مشاركة سياسية فعالة، وفراغ في الأمن.
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٢٦ يوليو ٢٠٢٦
د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية في جامعة الشام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تشهد منطقة شرق المتوسط، تحديات أمنية مستمرة، مرتبطة بكثير من العوامل، مُنتِجة تداعيات على كامل الإقليم، ومنه سيولة أو هشاشة الحدود داخل المنطقة، وتحوّلها إلى مساحات لإدارة النفوذ والتهريب وحركة السلاح والمقاتلين. ومما يعقّد هذا الإشكالية تعدّد الفاعلين المحليين والخارجيين ذوي المصالح المرتبطة بتلك الهشاشة، ما يوجب على دول المنطقة ابتكار خطط أمنية جديدة، وتطوير مؤسساتها المشتركة، ومصالحها المستحدثة في تحويل المنطقة إلى ممرّات دولية للطاقة والتجارة العالمية. وتقع سورية في قلب هذه الهشاشة الحدودية، باعتبارها حلقة الوصل بين كافة دول شرق المتوسط من جهة، والعراق والخليج وتركيا من جهة ثانية، أي أنها معنية مباشرة بالتهديدات الأمنية في المنطقة، وبالفرص الواعدة في الممرات الدولية. عوامل هشاشة الحدود كثيرة هي عوامل هشاشة الحدود في منطقة الشرق الأوسط، بدءاً من مشكلة تراجع سيادة بعض دول الإقليم، مروراً بالتدخلات الإقليمية والدولية، إلى جانب عوامل جغرافية واقتصادية. ستزداد هذه المشكلة مع الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي ساهم في توسيع حركة المقاتلين الأجانب والإرهابيين (جزء منها بإشراف من دول المنطقة ذاتها) للتنقل عبر الحدود التي ما عادت مضبوطة. لكن تداعي هذه الحدود، سيصبح أكثر إشكالية بعد الثورة السورية، التي أفقدت الحكومة السورية كثيراً من سيادتها على هذه الحدود، في الاتجاهات جميعها، وأتاحت للعديد من دول الإقليم التدخل عبر وكلائها أو بشكل مباشر لتحقيق مشاريعها. عدا عن أنّ هذا الفراغ أتاح للجماعات الإرهابية، والميليشيات الأجنبية، والتجارة غير الشرعية، والنزعات الانفصالية ذات البعد القومي، بل وحتى بعض الدول الإقليمية والقوى الدولية، الحركة بشكل أكثر يسراً. وبما أن الحدود السورية مشتركة مع كافة دول الإقليم، فإن المشكلة تزداد تعقيداً، حيث أن لكل جزئية منها خصوصيته، إذ تفرض تركيا رقابة صارمة على حدودها مع سورية بناء على مخاوف أمنية تدفعها للتحرك داخل الأراضي السورية، فيما تبدو الحدود العراقية مع سورية أكثر تحدياً نتيجة طولها من جهة، ووجود الجماعات الإرهابية والميليشيات على جانبي الحدود في بعض تلك المناطق الصحراوية. وتبقى الحدود السورية اللبنانية الأكثر اضطراباً، نتيجة عدم استكمال الترسيم في بعضها، ووعورتها الجبلية، وتداخلها السكاني، وطالما كانت معابر مهمة لميليشيا حزب الله لحركة المقاتلين وتهريب السلاح تحت رعاية نظام الأسد وإيران. فيما تبدو الحدود الأردنية الأقل إشكالية، لكنها أيضاً تشهد حركة لتجار المخدرات باتجاه دول الخليج العربي. بدروه، يساهم الاحتلال الإسرائيلي لمناطق حدودية سورية في تحفيز حركة الجهاديين بدوره. أي أن طول الحدود وطبيعتها الجغرافية، إلى جانب طبيعة النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط تفرض ذاتها كتحدٍ أمني حقيقي، وهذا ما يجعل ضبط هذه الحدود تحدياً أمنياً يحتاج إلى معالجات فعّالة. إدارة هذا التحدي، تتطلب كثيراً من العوامل، ربما من أبرزها استقرار حكومات المنطقة وقدرتها على فرض سيادتها على هذه الحدود، على أن يترافق ذلك بترسيمها بشكل كامل، وتشكيل لجان أمنية إقليمية مشتركة قادرة على تبادل المعلومات الأمنية حول التهديدات المحتملة، وتسيير دوريات مشتركة، واستخدام تقنيات مراقبة حديثة. وهناك عوامل أخرى، تبقى مهمة، وخصوصاً المتعلقة بتنمية المناطق الحدودية وتطوير اقتصاداتها، لدفعها بعيداً عن التجارة غير الشرعية. حدود غير مسيطر عليها، وفاعلون متعددون تعتبر هاتان المشكلتان مترابطتين، فرغم توسيع السلطة السورية الانتقالية سيطرتها على غالبية الأراضي السورية، إلا أن جزءاً من تلك المناطق ما يزال خارج سيطرتها، مع افتقارها لتعاون إقليمي شامل، وقدرات تقنية وعسكرية متطورة لإدارة الحدود. ومن جهة أخرى، تبرز مشكلة تعدّد الفاعلين كعامل أقل مما كان عليه قبل عام 2024، إذ ما تزال تركيا تمتلك حرية في التحرك العسكري على امتداد جزء مهم من الحدود الشمالية من جهة (بالتنسيق مع السلطات السورية)، فيما تقع مسؤولية ضبط الحدود في بعض المناطق الشرقية ضمن ترتيبات أمنية مشتركة مع قسد، ما يتطلب استكمال دمج البنى الأمنية والعسكرية بين الطرفين. ارتباط هذين العاملين معاً، يعقّد مشكلة الحدود، ويضع عبئاً أكبر على السلطات السورية الانتقالية، إذ يحتاج الأمر في الأساس إلى إدارة سورية موحدة قادرة على تطبيق برنامج متكامل. يرتبط هذان العاملان أيضاً، لناحية ضرورة التنسيق مع دول الجوار لمواجهة التحديات المشتركة والمتمثلة في شبكات التهريب والجماعات المسلحة والاقتصاد غير الرسمي وسواها من التحديات التي تضعف قدرة السلطات السورية على ضبط حدودها. قيود التنافس الدولي في شرق المتوسط تبقى الجغرافيا السورية مجالاً لتقاطع النفوذ الإقليمي أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، وخصوصاً أن منطقة شرق المتوسط ما تزال تشهد نزاعات إقليمية غير محسومة، تستخدم هذه الجغرافيا لفرض مشاريعها الإقليمية، ما يحمّل السلطات السورية أعباء إضافية في ضبط هذه الحدود. ويمكن للخطط الأمنية الإقليمية المساهمة في ضبط حدود المنطقة، وإن كانت بحاجة إلى مزيد من التطوير من جهة، والتعاون الإقليمي من جهة أخرى. لكنها قد لا تستطيع إنهاء التدخلات الدولية التي تفرض على المنطقة أن تكون ساحة للتنافس والنزاع الإقليمي والدولي. وذلك يبدو أكثر إشكالية، حيث إن الجغرافيا السورية تقع بين مشاريع متنافسة (تركيا، إسرائيل، الولايات المتحدة، روسيا، مع تراجع إيراني واضح)، ما يجعل سورية ولبنان عموماً، ساحة للتنافس الإقليمي، عدا عن سياسات إسرائيل التوسعية المستمرة في كلتا الدولتين. صحيح أن إعادة بناء المؤسسات السورية سيمنح السلطات السورية مزيداً من القدرة على إدارة ملفاتها الحدودية، لكن المنطقة بأسرها ما تزال في قلب التنافس الخارجي، والذي يمتلك العديد من أطرافه وكلاء داخل هذه الجغرافيا، ما يجعل مستقبل المنطقة بدوره مرتبطاً بمسارات هذا التنافس (سلمي، نزاع عبر الوكلاء، نزاع مباشر، إعادة رسم الجغرافيا)، وهو مستقبل على المدى المنظور، متعلق بتطورات التصعيد العسكري الأمريكي-الإيراني، التي قد يعقبها العودة إلى شرق المتوسط، لفرض أشكال جديدة من النفوذ فيه. أي أن تفكيك شبكات النفوذ، أمر مرتبط بفرض السيادة وإعادة بناء المؤسسات، لكنه مرتبط كذلك بالتنافس الدولي في الإقليم. هذا التنافس الذي بدأ يأخذ أشكالاً عدة، منها تنافس الهيمنة السياسية والعسكرية، وأخرى تتعلق بالتنافس على ممرات الطاقة والتجارة، وثالثة على إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي. ختاماً ، وفيما تتعدد العوامل التي تشكّل تهديداً أمنياً مستمراً في المنطقة، سواء لناحية ضعف بعض حكوماتها، أو غياب التنسيق المشترك بينها، أو تعدد الفاعلين الدوليين ودون الدولتيين، واستمرار نزاعات الهيمنة فيما بينهم في المنطقة، إلا أن الفرص المستحدثة في تحويل المنطقة إلى ممرات دولية للتجارة العالمية وللطاقة، قد تشكل حافزاً مهماً لحكومات المنطقة وشركائهم الدوليين، في ضبط تلك الحدود وتنميتها، لكن هذا يتطلب مستويات عليا من الضبط، وفي المقام الأول إرادة سياسية مشتركة بين دول الإقليم. منشور في موقع الحركة الوطنية السورية
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٢٦ يوليو ٢٠٢٦
حاورته: آلاء المدني د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة شام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية السؤال الأول: تكون المجتمعات في مرحلة ما بعد النزاع في مرحلة من الانتقال السياسي، وأمامها خطوات عليها تحقيقها لتجاوز هذه المرحلة بشكل ناجح. ما هي هذه الخطوات؟ وبرأيك ما هي الخطوات المتحققة منها في سورية اليوم؟ وما هي الملفات التي ما تزال عالقة وتعيق هذا الانتقال؟ حياكم الله، وشكراً على هذه المساحة. آملنا كبيرة في مرحلة الانتقال السياسي، خصوصاً بعد عقود طويلة من الاستبداد، تلتها ثورة تحولت إلى نزاع مسلح داخلي وإقليمي ودولي، وهذا ما يعقد انتقالنا نحن في سورية تحديداً، في ظل ضغوط نحو تحول ديموقراطي. لذا بداية، إن عملية الانتقال السياسي لا تبدأ من صناديق الاقتراع، بل تبدأ من إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. حتى نفهم الفكرة علينا أن نقر بأن مرحلة ما بعد النزاع مرحلة بالغة الأهمية والخطورة معاً، إذ إن مسارها يحدد مستقبلنا تماماً، ونحن في سياق عربي يفرض ذاته علينا، وبالتالي نجد أن السياق العربي ذهب باتجاهات محدودة للغاية، فإما التحول نحو نظام استبدادي جديد (نكوص استبدادي)، وإما الذهاب إلى اقتتالات محلية جديدة، أو الجمع بين الاقتتال والتفتيت كما في السودان واليمن. نحتاج هذا السياق لنفهم المشهد السوري المقبل، فلن نكون خارجه أبداً، وخصوصاً أن ثقافتنا السياسية تتفق مع سياقنا. عموماً، حتى نضبط مستقبلنا، علينا ضبط المرحلة الانتقالية، هذا الضبط، مسؤولية في ثلاثة اتجاهات، من السلطة، ومن النخب غير الحكومية، ومن المجتمع. لنفترض أننا منطقياً نتطلع إلى مستقبل ديموقراطي (وهو افتراض آمل أن يكون صحيحاً)، وهذا الافتراض قائم على أساس أن هذا الانتقال هو الأقل كلفة والأكثر قدرة على إدارة التنوع الهوياتي وإدارة النزاعات المحلية، وأكثر استدامة لمستقبلنا. هذا يشترط كثيراً من المقدمات تبدو غائبة حتى الآن. إذ لا يمكن الوصول إلى هذا الهدف، في ظل عدم تصالح اجتماعي سوري، هذا التصالح لن يتم قبل مسار إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقية، تجعل الضحايا أو ذويهم مقتنعون بأن المجرمين الحقيقين ستتم محاسبتهم. أي أن شرط نسيان آلام الماضي غائب عنا حتى الآن، ما يؤدي إلى تغذية مسار عكسي يتمثل في عدالة انتقامية فردية نتيجة خيبة الأمل التي تطال الضحايا وذويهم، وبالتالي عملية التصالح المطلوبة تبتعد أكثر فأكثر نتيجة إنتاج مظلوميات جديدة، تحضّر المشهد السوري لاحتمال اندلاع عنف محلي جديد. أما المدخل الثاني، فهو كرامة الأفراد معيشياً، فلن تستطيع الديموقراطية الانتقالية الصمود أمام حالة الفقر التي تطال غالبية السوريين (قرابة 80%)، ففيما ينشغل الأفراد في البحث عن قوت يومهم، لن يبقى لديهم أدنى اهتمام بالشأن العام، في ظل مدن بعضها يصل نسبة التهديم فيه إلى أكثر من 50%، فكيف يمكن إطلاق مسار ديموقراطي في ظل غياب الكرامة الفردية بالأساس، عدا عن وجود مئات آلاف السوريين في المخيمات، وملايين منهم في دول الشتات. ثم إن من الاشتراطات المهمة، هي تفعيل المواطنة الإيجابية، أي تلك التي تُحمِّل المواطن ذاته مسؤولية إدارة شأنه، وبالتالي تجعله شريكاً في بناء المستقبل، وهذا يتطلب حداً مقبولاً من اللامركزية، فيما نشهد حالة ضبابية بين مركزية مفرطة في ظل نظام رئاسي مفرط، مع حالات غير مضبوطة تشريعياً من اللامركزية. أي أن على السلطة والنخب معاً، الدفع باتجاه العدالة الانتقالية الحقيقة، ورفع مستوى المعيشية، وإطلاق مسار إعادة الإعمار التي تطال البنى التحتية والمساكن (وليس الفنادق والمشاريع الترفيهية)، وتعزيز اللامركزية، حتى نضمن أن مسار الانتقال الحالي يسير باتجاه صحيح. بالنتيجة، لا يمكن بناء ديمقراطية فوق أنقاض العدالة، ولا فوق مجتمع يبحث عن رغيف الخبز، أو من خيم النازحين. وخطابي هنا للسلطة ذاتها، فالديموقراطية المترافقة بالعدالة هي ضمان لنا جميعاً في هذه البلاد، ولا مبرر لتأجيلها، بل علينا البدء بها ولو تدريجياً، وعلى مراحل تتفق مع سياقنا. السؤال الثاني: ما الذي يجعل العنف يتحول من استثناء إلى سلوك معتاد في المجتمع؟ وكيف يمكن الخروج من هذه الحلقة؟ تحوّل العنف إلى سلوك معتاد أو مقبول اجتماعي، هو نتيجة ما ذكرناه، غياب العدالة الانتقالية من جهة، وضعف التشريعات القانونية أو عدم مواءمتها للتطورات من جهة ثانية، واستمرار الفساد من جهة ثالثة، وغياب الانتماء إلى المرحلة الانتقالية من جهة رابعة. كذلك الشعور لدى جماعات أو أفراداً بأن هناك استئثاراً من قبل جماعة واحدة بالسلطة والمنافع والمناصب والقرارات. أي ما يمكن التعبير عنه بأزمات الهوية والمشاركة السياسية والتوزيع والانتشار والشرعية، وهي كلها أزمات مراحل التحديث. يضاف إلى ذلك، خطاب الكراهية المسكوت عنه، بل إن بعضه يكون من جهات إما ذات سلطة أو مقربة من السلطة، ما يعزّز حالة الانقسام الاجتماعي، ويهدم جسور التواصل بين المكونات السورية، ويدفعها لمواجهة بعضها البعض (فردياً أو جماعياً). عدا عن الخطاب الأيديولوجي الذي يحاول إعادة بناء الهوية الثقافية السورية باتجاه متشدد، يرفض التنوع الثقافي السوري ويهدمه، ما يعزز حالة الاحتقان، وقد يدفع باتجاه أشكال معينة من العنف المحلي. ثم إن السكوت عن العنف الفردي في العديد من الحالات، بحجة أنه موجّه تجاه "شبيحة أو فلول"، هو بشكل أو بآخر هدم لوظيفة السلطة والقانون، وإقرار بأحقية استخدام الأفراد لهذا العنف. ولن يمكن الخروج من ذلك، إلا بضبط الخطابات، ومحاسبة المجرمين ومحاسبة الذين يلجؤون إلى ما بات يعرف بالعدالة الانتقامية. لكن حتى لا يتحول ذلك إلى أداة تسلطية، فنحن نحتاج إلى منظومة قانونية تحمي حقوق الأفراد وحرياتهم. فوجدنا مثلاً أن بعضاً ممن يروّج لخطاب كراهية لا يحاسب عليه، في حين أن من ينتقد سلوكاً غير سوي لأحد المقربين من السلطة يمكن أن يتم توقيفه، هذه الانتقائية القانونية ستكون وبالاً على البلاد في حال لم يتم ضبطها. وربما تكون هذه مسؤولية أكبر على السلطة ذاتها، وإن كانت مسؤولية كل القوى الأخرى. السؤال الثالث: هناك من يرى أن المشروع السياسي للسلطة وخاصة على المستوى الداخلي غير واضح، كيف تقرأ ذلك؟ وبرأيك لماذا تعطى الأولوية للسياسة الخارجية؟ صحيح، حتى الآن لا نستطيع أن نحدد مشروعاً انتقالياً للسلطة، اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، وليس سياسياً فقط. سياسياً، يبدو أن السلطة منشغلة بترسيخ البنى السلطوية أولاً، عبر كثير من الأدوات، وأبرزها الاستحواذ البيروقراطي (أي إعادة إنتاج البنية البيروقراطية بشكل يتفق مع مسارات السلطة)، وتغييب البيئة المنتجة للديموقراطية (الأحزاب، الانتخابات الحقيقية، الإعلام المستقل). لكن أدوات ذلك ما تزال غير منضبطة، ما يجعلنا أمام احتمال إنتاج استبدادية هشة في المرحلة القادمة. أما على باقي المستويات، فلا نستطيع تحديد برنامج واضح، يمكن البناء عليه والتنبؤ بالمسارات، ومحاسبة السلطة، يترافق ذلك مع غياب الشفافية في الإنفاق العام والتوظيف وصنع السياسات. حتى إن البعض يرى أن بعض الوزارات تعمل على مسارات مضادة لوزارات أخرى، بل إن ذات الوزارة قد لا تمتلك خطة واضحة لكامل المرحلة الانتقالية. أما في السياسية الخارجية، فلا أرى أنه أولوية، بقدر ما هي ضبط خارجي من الدول التي تشرف على عملية الانتقال، من خلال توفير أقنية أو مسارات محددة تسهم في إدارة التنافس الدولي في سورية، أو الصراع الدولي، فما نزال في مرحلة خطرة في الشرق الأوسط من هذا الصراع. تكمن الفرصة هنا أمام السلطة الانتقالية، في الاستماع للنخب من خارج السلطة أولاً، والبحث عن كفاءات من خارج المنظومة السياسية السلطوية ثانياً، أي البدء بمسار المشاركة السياسية، وبناء برنامج واضح وشفاف وشامل لكل وزارات الدولة، وبشكل مترابط، يجعل المواطن مطمئناً ومراقباً إيجابياً لمسار مستقبله. ذلك ممكن تدريجياً، حتى لا نقع تحت رحمة فرضية الأمن أو الحرية. كلاهما ضروري، وكلاهما بحاجة بعضهما البعض. لذا، هي دعوة للسلطة، لإعادة إنتاج ذاتها وخطابها ورؤيتها. السؤال الرابع: من الملاحظ أن المجتمع الدولي يتعامل بانفتاح على السلطة الجديدة، كيف يمكن أن يترجم هذا الانفتاح؟ وهل سيزيد من فرص الاستقرار الداخلي؟ هنا نكمل النقطة السابقة، حيث أن الملف السوري ما يزال ملفاً دولياً، ضمن التنافس الدولي على الشرق الأوسط. ما حصل منذ عام 2023 هو صراع مباشر بين المشروعين الإسرائيلي والإيراني، ومنذ اغتيال قادات حزب الله، بدا أن الشرق "الأوسط الإيراني" يزول، لصالح فراغ استراتيجي ستسعى إسرائيل لملئه في عملية تشكيل "شرق أوسط إسرائيلي". وهنا أقصد الهيمنة الإسرائيلية عوضاً عن الإيرانية، وكان لابد من التخلص من أدوات إيران في سورية "نظام الأسد" لإطلاق حملة عسكرية واسعة على المشروع الإيراني في الشرق الأوسط وحصره داخل الجغرافي الإيرانية وهذا ما نراه حتى اليوم. في المقابل يتبلور تنافس جديد أطرافه هي ذاتها السابقة، لكن التنافس يشتد بين تركيا وإسرائيل (القوى الإقليمية المؤثرة في الملف السوري)، فيما تكون سورية في مرحلة شد بين الطرفين. أعتقد أن القوى الخارجية توكل للسلطة الانتقالية وظائف عديدة، منها إدارة المشهد السوري، ضمن هذا التنافس، والانفتاح هو ضرورة لأداء الوظائف المناطة بها، ومنها أيضاً مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات في سورية، والمساهمة في تصفية المشروع الإيراني في الشرق الأوسط، وإحداث استقرار إلى حين الوصول إلى تسويات دولية بخصوص المنطقة ما بعد الانتهاء من الملف الإيراني. سواءً أكانت تسويات سلمية أو غير ذلك. هذا الانفتاح قد يشكل فرصة لتعزيز الاستقرار، لكن يتطلب اشتراطات محلية أيضاً، منها ما ذكرناه سابقاً، لناحية المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية، وإطلاق مسار انتقال سياسي حقيقي، وهذه لا تعني القوى الخارجية، طالما أن السلطة الانتقالية قادرة على أداء الوظائف المناطة بها. وهنا يبدو لنا أن الملف الخارجي أكثر نجاحاً، نتيجة الإرادة الدولية. وعموماً، قد تفضل بعض القوى الغربية، نظاماً قادراً على الضبط، ولو كان غير ديموقراطي، على نظام ديموقراطي يفتقد أدوات الضبط اللازمة. وهذه تتطلب موازنة أخرى بين الشرعية الداخلية والقبول الخارجي، وكلاهما ضروري للآخر. فالاستقرار المستدام لا يتحقق بالأمن وحده ولا بالاعتراف الخارجي وحده، بل ببناء شرعية داخلية تقوم على العدالة والمشاركة والمؤسسات. وهي دعوة للسلطة لإحداث هذه الموازنة. السؤال الخامس: في الأمس تم استكمال الثلث المكمل للمجلس التشريعي، إلى أي حد تراه يمثل السوريين؟ وما المطلوب منه بناء على الصلاحيات التي يملكها؟ هذا ملف معقد، علينا بداية الإقرار بأن طموحاتنا كسوريين بانتقال سياسي حقيقي يقودنا نحو الديموقراطية، هي أكبر من واقعنا السوري السياسي والاجتماعي والسياسي، وخصوصاً أن سياقنا الثقافي الاجتماعي لا يساعدنا على الضغط باتجاه الدمقرطة حالياً، وهذا لا يعني إلغاء الانتقال الديموقراطي، بل يفرض مسؤولية أكبر علينا لتهيئة السياق هذا. في المقابل، ربما كان مقبولاً لفترة قصيرة في العام الأول من سقوط نظام الأسد، وجود سلطة تشريعية على هذه الشاكلة، لكن الإشكال حين يناط بهذه السلطة أن تكون حاضرة في كامل المرحلة الانتقالية المفترضة، لكنها ليست سلطة بالمعنى الحقيقي، أي أنها غير تمثيلية إذ لم ينتخبها أحد، فهي مفروضة (بشكل مباشر وغير مباشر) من السلطة التنفيذية، بل حتى إن صلاحياتها لا تتجاوز التصديق والموافقة على تشريعات السلطة التنفيذية، وهذا فعلياً يلغي دورها التشريعي والرقابي والمحاسبي، رغم وجود شخصيات داخل البرلمان القادم، قد تمتلك من الخبرات ما يكفي، لكنها لا تتشكل في برنامج سياسي حزبي أو جماعي، ولا تمتلك صلاحيات التأثير الحقيقي. عدا عن نقطة بالغة الأهمية، أن ما يجعل السلطة التشريعية منضبطة هي السلطة التي أوكلت إليها المهمة التمثيلية (أقصد المجتمع)، لكنها هنا هي السلطة التنفيذية، فالتبعية تبدو حتمية في هذا المشهد. وأقترح على السلطات الثلاث الآن، رغم هيمنة السلطة التنفيذية عليها، أن تذهب باتجاه إحداث انتخابات شعبية مطلع العام القادم، لثلث أعضاء البرلمان، فيما ينتخب الثلث الثاني في نهايته، والثلث الثالث في نهاية المرحلة الانتقالية، وبذلك يكون لدينا مجلس تشريعي تمثيلي حقيقي، منتخب من قبل الشعب مباشرة، قادرة على نقل البلاد نحو المرحلة التالية. آمل أن يدرك النواب مهمتهم التاريخية، وألا يكونوا مجرد موظفين عموميين للتصديق على التشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية فقط، بل أن يدفعوا بدورهم نحو تشكيل كتل برلمانية قادرة على فرض ذاتها على السلطة التنفيذية، وفرض رؤيتها للمرحلة ما بعد الانتقالية، رغم أن هذه الرؤية غير واضحة حتى الآن. وهنا لا أقصد كتل المعارضة، بقدر ما أقصد كتلاً وطنية تراعي مصلحة البلاد أولاً وآخراً. في الختام، مستقبلنا هو مسؤوليتنا جميعاً. شكراً لكم مرة أخرى على هذه المساحة الواسعة من صحيفتكم. 
بواسطة د. عبد القادر نعناع ١ يوليو ٢٠٢٦
لا يبدو أن التحرك الإسرائيلي في الشرق الأوسط سيتوقف عند الحدود التي وصلها خلال العقد الفائت، بل إن إسرائيل –ونتنياهو تحديداً– تشتغل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتفق مع اعتبارها القوة الأكثر هيمنة فيه، أو إن استطاعت أن تكون القوة المهيمنة الوحيدة فيه. ما يميز التحرك الإسرائيلي، هو استراتيجيته طويلة المدى، أي وضع هدف والاشتغال على تحقيقه عبر حكومات متتالية، ويبقى الهدف الأعلى لدى إسرائيل هو تقويض أية قوة منافسة لها في الشرق الأوسط، باعتبار أن أي صعود لقوى عربية أو شرق أوسطية سيعني تراجعاً في نفوذ وقوة إسرائيل الإقليمية، وحيث أن إسرائيل ستبقى عالقة في عقدة رفض المحي لها، فإنها تعمل على توسيع مجالها الأمني أكثر فأكثر نتيجة معضلتها الأمنية وقلقها الدائم من جوارها. إذاً، هي تشتغل انطلاقاً من الخوف الأمني المصحوب برفضها أية تسويات يتشارك فيها الجميع منافع الشرق الأوسط، ورفضها وجود أي منافس في ذات البيئة الجغرافية. وإن كانت تعتبر ما يجري حولها تهديدات أمنية، فهي ليس كذلك بالضبط، بل هي تهديدات لمطامع إسرائيل الأمنية شرق الأوسطية. وحيث أن ترتيبات القرن العشرين لم تعد مواتية لإسرائيل، سواء لناحية تغيير العقلية الإسرائيلية من عقلية تثبيت الوجود إلى عقلية توسيع الوجود، ثم إلى عقلية القضاء على وجود المنافسين، أو نتيجة تغير المعطيات شرق الأوسطية، وغياب أنظمة كانت ضامناً لأمن إسرائيل (مثل نظام الأسد)، وبروز جماعات جهادية على حدودها (بتنوعها الأيديولوجي والمذهبي)، غير مضمونة السلوك وإن كان هناك تصريحات رسمية بضمان سلوكها الأمني (لكن إسرائيل لا تتعامل بالنوايا في هذه الحالة)، فإن ما تتطلع إليه إسرائيل، هو تقويض قدرة النظام السوري الجديد على تشكيل أي تهديد، من خلال ما تطالب به من منطقة عازلة واسعة، لكنها فعلياً تقوّض استقلالية وسيادة الدولة السورية (المنقوصة أساساً)، وتفرض شروط تسويات تضمن بقاء سورية دولة هشة غير قادرة على تشكيل أي تهديد للنفوذ الإسرائيلي شرق الأوسطي (ما يتجاوز الموضوع الأمني)، وما يضمن عودتها للمشهد السوري دائماً. لا تمتلك دمشق مقومات المواجهة المباشرة أبداً، ولا يبدو أنها ترغب في أي نوع من المواجهات غير المباشرة مع إسرائيل، وخصوصاً أن لديها استحقاقات داخلية كثيرة غير منجزة بعد، وهي أكثر ميلاً للتوقيع على اتفاقية تسوية سلمية (اتفاق سلام مثلاً)، يضمن للسلطة الجديدة بقاءها، لكن مع حد أدنى من الشروط المقبولة لجمهورها (ومعارضيها إن تسنى ذلك)، وخصوصاً في ظل ضغوط أمريكية من جهة، وغياب الفعالية العربية في مواجهة إسرائيل من جهة ثانية. بالأساس، لم تكمل السلطة السورية الجديدة استحقاق استعادة السيادة كاملة، وما يزال قرارها السياسي غير مستقل بشكل كامل، وما تزال شرعيتها قيد التكوين بل وهشة أمام اضطرابات داخلية عديدة، لذا فإن هناك احتمالاً لفرض تسوية قريبة من التصور الإسرائيلي في الفترة القادمة، على الأقل بخصوص نزع السلاح جنوب دمشق، لكن الإشكال قد يبقى لفترة بخصوص السويداء، إذ إنها تشكل دليل عمل لكافة الجماعات السورية المسلحة الأخرى. وفيما يستمر الضغط الإسرائيلي بالاستناد إلى عناصر قوة عديدة، فإن الموقف السوري يفتقر إلى عوامل إسناد تجعله قادراً على فرض شروط تسوية غير مقبولة لإسرائيل، ولا يشكل الترحيب الأمريكي بالسلطة السورية الجديدة عنصر دعم حقيقي لها في مواجهة إسرائيل، بقدر ما توفره رغبة ترامب في إحداث استقرار شرق أوسطي يتفق مع المصالح الأمريكية أولاً والإسرائيلية ثانياً، ويضمن عدم تهديد هذا الاستقرار على المدى الطويل.
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٢١ مايو ٢٠٢٦
كلمة ألقيت في ندوة "نحو مستقبل مشترك"، التي عقدتها الحركة الوطنية السورية في مدينة حلب - سورية، بتاريخ 20 أيار/مايو 2026 الدكتور عبد القادر نعناع حياكم الله جميعاً في هذا الجميع الطيب، وهي فرصة لم تكن لولا هذا التغيير السياسي الكبير الذي حصل في بلادنا، وخلاصنا من نظام استبدادي شرس مكث على صدورنا عقوداً من الزمن، جرّف فيها كل أشكال الحياة السياسية، ودمر جزءاً مهماً من تاريخنا، مادياً ومعنوياً. نجتمع اليوم، باعتبارنا جزءاً من النخب السورية وخصوصاً في محافظة حلب، في محاولة جادة لتنشيط الحياة السياسية كما أملها آباؤنا المؤسسون للجمهورية، متصدرين المسؤولية التاريخية التي تواجهنا، باعتبارنا وكلاء المستقبل السوري، ومدركين أهمية تعاضدنا جميعاً في إنتاج هذا المستقبل، والتصدي لأية نكسات قد تحيق بمستقبلنا، سواءً أكانت نكسات باتجاه الاستبداد، أو الاقتتال، أو الانهيار. إن ما لحق بنا من تدمير للحياة السياسية والحياة المادية وما يرتبط بهما، يضعنا أمام مسؤولية إعادة البناء الفكري إلى جانب المادي. وحتى نكون مدركين لحجم المخاطر التي سنواجهها، علينا أن ندرك أن أي مسار للتنمية السياسية سيواجه أزمات عديدة. وقد خلصت كل التجارب التي سبقتنا إلى أن حل أزمة الهوية هو المدخل الأكثر أهمية في حل باقي الأزمات. يعتبر المجتمع السوري مجتمعاً معقد البنية الهوياتية دينياً مذهبياً وأقوامياً، بل ويمكن أن يمتد إلى الهويات الثقافية أيضاً. هذا التنوع الذي كان يُفتَرض به أن يكون مصدر غنى حقيقي للثقافة السياسية السورية. عوضاً عن ذلك تحول إلى إشكالية مركبة ومتراكمة طيلة عقود تاريخنا المعاصر، وهي إشكالية نراها "معنّدة" ومتوارّثة، بمعنى أنّها منذ أن نشأت ما تزال متفاعلة حتى تاريخ اللحظة هذه. فهي إشكالية تتعلّق بالدولة السورية، وبالتعدّد الإثني، وبصناعة المواطنة، وبالبحث عن عقد اجتماعي يعيد للمجتمع ارتباطاته ببعضه البعض. وهي إشكالية تضاعفت مع هيمنة التسلطية (أي نتيجة أدوار السلطة الاستبدادية)، وما تزال مرتبطة بإشكاليات أيديولوجية سابقة ولاحقة، لتبقى بحاجة إلى برنامج حلٍّ تشاركي حكومي ونخبوي واجتماعي، لتشكيل عقد اجتماعي يراعي تطلعات التنوّع الثقافي السوري. طبياً، الإقرار بالمشكلة وتوصيفها ومعرفة التاريخ المرضي، هي بداية مهمة في مسار العلاج، وهي مسؤوليتنا المشتركة في توصيف هذه المشكلة أولاً. من هنا، أطرح دائماً، فكرة الأسئلة الثلاثة تمهيداً لحلها: من نحن؟ ولماذا علينا أن نعيش في ذات الكيان الجغرافي؟ وكيف لنا أن نفعل ذلك؟ وهي أسئلة تأسيسية تحيلنا إلى الإقرار بالوجود المشترك المتساوي لكل مكونات المجتمع السوري أفراداً وجماعات. ثم البحث في رابط هذا الوجود، وهو الرابط السوري الحديث، الذي يخرجنا من أزمة وجودنا التاريخي والإثني، ويحيلنا إلى مواطنين ذوي ثقافة عليا مشتركة، ومصالح لا تتم إلا بالتشارك فيما بيننا. هذان السؤالان يؤسسان لانتقالنا جميعاً نحو البحث في بناء عقد اجتماعي يضمن لنا السؤالين السابقين، ويؤسس لنا مستقبلنا المنشود. والمقصود بذلك، أن علينا الإقرار بجملة من الاشتراطات الأولية التي نحمل مسؤوليتها، والتي تنتج مواطناً سورياً مسؤولاً من جهة، وعقلانياً من جهة ثانية. عبر التوزيع المتساوي: - للحقوق والحريات الأساسية، وأبرزها: حريات التعبير والاعتقاد والمشاركة السياسية. - وللفرص المتكافئة في المناصب والوظائف والتعليم. - والمساواة في فرص تحقيق الدخل والثروة. - والمساواة في السلطات والصلاحيات، من خلال إحداث قدر متساوٍ من التأثير والمشاركة في الحياة السياسية، وهو ما سنُعبِّر عنه بالديموقراطية. - ومن ثم توفير الأسس المتساوية لاحترام الذات، بأن يشعر كل سوري منا أن له ذات القيمة والكرامة المعترف بها. وهذا يتطلب اشتراطاً آخر، يتمثل في قيام مؤسسات الدولة على مسافة واحدة من كل الأفراد والجماعات، حتى نضمن أن تكون المساواة حقيقية فيما بيننا. وهي المساواة في القيمة والكرامة والحرية والتأثير السياسي. وهذا يحيلنا إلى اشتراط إضافي، يتمثل في حضور البعد الاجتماعي في كل هذه الاشتراطات، أي العدالة بكل أشكالها. تتأسس هذه الاشتراطات في عقد اجتماعي ننتجه جميعاً، يُعبَّر عنه في دستور ونظام اقتصادي ونظام سياسي، ونظام حزبي وانتخابي يضمن استمرار هذه الاشتراطات. تقود هذه الاشتراطات، إلى الانتقال من الاحتماء بالجماعة إلى الثقة بالدولة والمواطنة السورية كهوية جامعة مقبولة ومتفق عليها وضامنة لحقوق الأفراد والجماعات، وفي ذات الوقت يضمن للجماعة خصوصيتها باعتبارها مكوناً لهذه الهوية الأعلى. حيث أن البحث في هوية دون الهوية الوطنية، كان جزءاً من آليات الحماية التي لجأ إليها الكثير في ظل الاستبداد والثورة والحرب، فإن استمرارها اليوم لا يمكن أن يكون مقبولاً بهذا الشكل. ولكل ثقافة، رغم ما تشمله من غنى وتنوع، إطاراً عاماً يضمها جميعاً، ونحن هنا نقصد الإطار الإسلامي باعتباره إطاراً ثقافياً حضارياً تاريخياً لا إطاراً دينياً إقصائياً للتعديد الديني في بلادنا. والإطار العربي باعتبارها وعاءً لغوياً سياسياً حضارياً، لا لغة إقصائية للتعدد اللغوي في بلادنا. إن الوصول إلى هذا الهدف الأسمى، لن يكون في متناولنا تلقائياً، بل سيكون نتيجة إيماننا جميعاً به، واشتغالنا الحثيث على إنتاجه، بما يتفق مع خصوصيتنا السورية من جهة، ومع إدراكنا لضرورة انخراطنا الحضاري العالمي. وهنا نعتقد أن ذلك ممكن في ظل ثلاث أدوات رئيسة: الأولى هي الديموقراطية، ولا نقصد بها الديموقراطية التنافسية المعهودة في الدول الديموقراطية المستقرة، بل مع مراعاة الخصوصية السورية التي قد تحيلنا إلى أشكال أكثر مناسبة لنا، ومنها التداولية مثلاً، لكننا نحتاج إلى تقديم تدريجي لها عبر انتقال ديموقراطي، حيث أنها السبيل للمساواة السياسية بيننا كمواطنين سوريين من جهة، وتجعلنا مسؤولين ومراقِبين لمستقبلنا المشترك من جهة ثانية. وثانيها العدالة، والتي تحيلنا إلى أمرين بالغي الأهمية، فمن خلال العدالة الانتقالية الحقيقية نكون قادرين على تجاوز آلام الماضي والخروج من المظلوميات العديدة والقدرة على التسامح والمشاركة في إنتاج المستقبل. ومن خلال العدالة الاجتماعية نضمن ارتقاء كل المواطنين وقدرتهم على المشاركة المسؤولة. وثالثها، اللامركزية، وقد يختلف الفهم أو التصور لها، لكننا نقصد مراعاة الثقافات الفرعية والمجتمعات المحلية، وإعطاءها الفرصة الحقيقية لإدارة شؤونها بما يضمن استقرار البلاد وفعالية المواطنين ومسؤوليتهم وقدرتهم على صيانة مستقبلنا. في ختام هذه المداخلة، أكرر فكرتي الرئيسة، بأن ما طرحته هي خطوط عامة وإرشادية، كلي أمل أن نتحاور حولها باعتبارنا نخب هذا المجتمع، وأن نجد من خلالها سبيلنا نحو مستقبل مشترك، والاتفاق على قواعد العمل السياسي، وبناء الثقة المشتركة فيما بيننا.
بواسطة د. عبد القادر نعناع ١ مايو ٢٠٢٦
د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تعمد الدول في مرحلة الانتقال الديموقراطي على إطلاق الحياة السياسية، من خلال حراكٍ حزبي ومجتمعي يعزّز من تنظيم قوى المجتمع، ويخلق بيئات سياسية مناسبة للحوار المتبادل، وبما يهدف للوصول إلى عقد اجتماعي تشاركي يضمن بناءً سلمياً لمستقبل للدولة. وخصوصاً أن ما يجري في المراحل الانتقالية يُعتبر مؤشراً لما سيجري بعدها، وهو ما تحتاجه سورية في هذه المرحلة من تاريخها، رغم جملة من التحديات التي تواجه هذه العملية. إذ شهدت سورية منذ الوحدة مع مصر عملية تجريف للحياة السياسية بشكل كامل. ورغم محاولات العودة المتكرّرة التي حصلت بعد الانفصال، لكن هيمنة البعث والنزاعات التي حصلت في داخله أولاً، واستبداديته لاحقاً، قضت على أية إمكانية للعمل السياسي في سورية، بعد أن كانت من أكثر الدول العربية نشاطاً سياسياً منذ مطلع القرن العشرين. وقد أثّر ذلك في مسار إدارة المصالح المتباينة في سورية، لينقلها من حالتها السلمية المعتادة إلى حالة المواجهة المباشرة بالغة العنف في مراتٍ عدّة أبرزها في ثمانينات القرن العشرين ثم إبان الثورة السورية بعد عام 2011، مع أشكال متعدّدة من العنف السلطوي منخفض الحدّة (ملاحقة حراك ربيع دمشق، اعتقالات سياسية متفرقة، مواجهات 2003، قمع حراك 2004). لذا، يُشكّل سقوط نظام الأسد فرصة تاريخية أو "معجزة" سياسية، تُحتّم علينا استعادة الحياة السياسية السورية، بأدواتها السلمية، والضامنة لمنع عودة أية أشكال استبدادية، ولإدارة مصالحنا وتوجهاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتباينة سلمياً. ونقصد بأنها فرصة تاريخية، بمعنى أنها مَدخَلٌ مهّمُ لتصحيح الانحراف التاريخي الطويل الذي مُنِيت به سورية، وإعادة تأسيس الديموقراطية على ما عرّفها الآباء المؤسسون للدولة السورية، وفي مقدمتها: حرية التعبير والتنظيم والترشيح والانتخاب، وما ينبني عليها من مسؤولية تشاركية بين السلطة والمعارضة والمجتمع المدني والمواطنين، في ضمان هذا المستقبل، عبر إحداث آليات رقابة إيجابية تضمن عدم انحراف السياسات العامة نحو مصالح ضيقة أو استبدادية. وفي هذا السياق، يُعتبر الحزب أداة سياسية ضرورية في الدولة الحديثة لإدارة النزاعات وتناقضات المصالح سلمياً، فهو البديل الحقيقي عن العنف السلطوي أو العنف المجتمعي، أي أنه البيئة الأكثر مناسبة لقيادة عمليات التفاوض والتساوم والتحالف السياسي بين النخب (وهذه هي السياسة في أحد معانيها)، بما يضمن مصالح الجميع، بشكل سلمي. وهو أداة النخبة في التعبير عن مصالح الفئات الاجتماعية التي تمثلها، أي أن العمليات التفاوضية التي تجريها الأحزاب، إنما تجريها بالنيابة عن المجتمع ككل، لضمان مصالحه. وبالأساس، لا يمكن إحداث انتقال ديموقراطي حقيقي دون هذه المساواة أو التسويات النخبوية التي تقرر شكل الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي وهويتها وآليات إدارتها، بشكل يضمن ضمان استمرارية هذه المخرجات وعدم تهديم هذا البنيان كلما وصلت قوى جديدة للسلطة. وبمناسبة ذلك، فإن للحزب وظائف كثيرة تساعد في الاستقرار السياسي وإحداث الانتقال الديموقراطي، فالحزب أولاً، هو بوابة للمشاركة السياسية. وحيث أننا في سورية، دولة خارجة من نزاع مسلح وعقود من الاستبداد، فإننا بحاجة ماسة إلى إطلاق مسار تنمية سياسية شاملة، لكنه سيواجه أزمات عديدة، من أبرزها أزمة المشاركة السياسية، في مجتمع بالغ التسيس وخصوصاً في العقدين الماضيين، وحيث أن السلطة وحدها غير قادرة على استيعاب مشاركة كل الأطياف السياسية داخلها، فإن الأحزاب تتيح مجالات أوسع بكثير لإطلاق هذه المشاركة. وما يدفع الأفراد المسيسين لهذه المشاركة الحزبية ثانياً، أن الحزب إنما هو البيئة التنظيمية التي تجمع مصالح المواطنين (أو فئات منهم)، وتعيد صياغتها، وتعبر عنها. كما يمثل الحزب القناة الرسمية المنظمة للتواصل مع السلطة والتفاوض معها حول هذه المصالح، والدفاع عنها. وللحزب أيضاً أدوار مهمة في التنشئة السياسية ثالثاً، أي نشر الوعي السياسي، عبر التنظيم والندوات والحوارات والتثقيف. وهذه بعض من أهم وظائف الحزب الواسعة. لا يعني ذلك أن التجربة الحزبية السورية ستكون سهلة في المرحلة القادمة، أو مستقرة كما في الدول ذات الديموقراطيات المترسخة. فهناك الكثير من التحديات التي تفرض ذاتها علينا في عملية إطلاق الحياة السياسية والحزبية، من أبرزها قيود إجرائية تتمثل في غياب نظام حزبي (قوانين تسجيل الأحزاب، وتمويلها)، وبالتالي غياب نظام انتخابي، وهما نظامان متصلان، يحدّد شكلهما مستقبل الحياة الحزبية والسياسية في سورية. إلى جانب قيود بنيوية وسياسية متمثلة في ضعف مؤسسات الدولة وعدم حيادها وسيطرة البيروقراطية عليها، بل وهيمنة السطلة التنفيذية في المرحلة الانتقالية على العملية السياسية، وضعف البنية التحتية الحزبية. ويضاف إلى ذلك ثالثاً قيود ثقافية وهوياتية تتمثل في ضعف الثقافة التنظيمية والحزبية لفئات واسعة من المجتمع السوري، وحضور الإرث الثقافي السلطوي في كثير من الأحيان، إلى جانب ما ورثناه من انقسامات طائفية وعرقية ما تزال تتحكم في المشهد الهوياتي السوري. تعتبر هذه التحديات نتيجة حتمية لدولة شهدت عقوداً طويلة من الاستبداد انتهت بعد ثورة مسلحة تدخلت فيها قوى داخلية وخارجية عديدة. وهذا يعني أن العبء أكبر على النخب السياسية وعلى السطلة الانتقالية في الدفع معاً نحو التأسيس لحياة سياسية سلمية ومستقرة، وذلك على قاعدة تأسيسية بالغة الأهمية: وهي أن الخراب الحاصل في سورية (على كافة الصعد) لا يمكن لجهة منفردة إدارته، بل هو خراب تاريخي يحتاج إلى كتلة وطنية تاريخية قادرة على التآلف فيما بينها للخروج منه. وما غياب هذا العمل، إلا نذير خطر يتهدد مستقبلنا السياسي، دافعاً هذا المستقبل نحو خيارات متطرفة بالكاد تجاوزناها سواءً كانت العودة إلى إدارة مصالحها المتنوعة داخل المجتمع عنفياً، أو أن يكون هذا الغياب فراغاً تملؤه قوى تسلطية تعيد إنتاج الاستبداد السياسي مرة أخرى. لذا، هي مسؤولية كل النخب السورية –الحكومية وغير الحكومية– بكل تكويناتها السياسية والهوياتية، أن تعمل على إنتاج حياة سياسية متنوعة وتشاركية وسلمية، تضمن استعادة سورية لنهضتها، وتؤسس لمسار ديموقراطي حقيقي. منشور في مجلة الوعي السوري الصادرة عن الحركة الوطنية السورية في عددها 40، أيار/مايو 2026، ص 18-21